|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 4 / 27
يعتزم أحد الأصدقاء تنظيم ورشة عمل في طرابلس بعنوان: هل نحن مستعدون للزواج؟، وذلك يوم الأربعاء الموافق 29 أبريل 2026م. لقد استوقفني هذا العنوان بعمق، خاصةً في ظل مؤشرات الطلاق المتزايدة التي أصبحت تدق ناقوس الخطر في المجتمع الليبي، ما يدفعني للتساؤل: هل تغيّرت معايير الزواج؟ وهل تبدّلت القيم التي كان يقوم عليها؟
أعتقد أننا بتنا بحاجة ماسة إلى فرض دورات تدريبية مكثفة للشباب والشابات قبل خوض غمار هذه التجربة، بحيث تصبح شرطًا أساسيًا للتقدّم للزواج. وفي هذا السياق أقترح أن تتولى مراكز تدريبية معتمدة من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية تقديم برامج ومحاضرات شاملة تُعنى بـ كيف يكون الزواج؟ ولماذا؟ وإلى أين يسير؟، مع منح المشاركين ما يشبه رخصة لقيادة الحياة الزوجية. وكما أن الشهادة الصحية أصبحت إجراءً إلزاميًا للحماية من الأمراض الجسدية، فإن هذه الرخصة هي شهادة التأهيل النفسي والاجتماعي- التي تتضمن تقييمًا ودرجات توضّح مدى جاهزية الطرفين. إننا بحاجة إلى دورات مكثفة تعالج- بدقة- قضايا مثل: الإدارة المالية للأسرة، وفنون الحوار الفعّال، ومهارات الاستماع، وأسس تربية الأبناء. فإذا كشفت المؤشرات أن غياب لغة الحوار هو السبب الرئيس للنزاعات، وجب أن يكون التركيز على مهارة الاستماع الفعّال، وضبط النفس عند الغضب، وكيفية إدارة الاختلاف دون إهانة. وإذا كشفت المؤشرات أن الأهل والأصدقاء هم منبع النزاعات أو أحد أسبابها، فعندئذ يكون التركيز على إدارة التدخلات الخارجية. وهكذا يتم رصد المؤشرات المهمة كافة، لتُدرج ضمن حزمة تدريبية تتضمن مجموعة مهارات ومعارف أساسية.
وبالتالي، تُتوج هذه الدورات بـ شهادة تأهيل للحياة الزوجية، مبنية على امتحانات وتقييمات حقيقية، بحيث يكون هناك حدّ أدنى للنجاح والحصول على الرخصة. ولن تكون هذه الشهادة مجرد ورقة رسمية، بل مرآة تعكس المهارات الحياتية لكل طرف أمام الآخر؛ فيعرف الرجل، وتعرف المرأة، نقاط القوة والجاهزية لدى الشريك قبل الارتباط. وهذا يعني أن لكل طرف - وبموافقته- الاطلاع على كشف درجات الطرف الآخر ضمن مناخ من الشفافية قبل توقيع عقد القران، تمامًا كما يتم الاطلاع على السجل الصحي لضمان بناء أسرة على أسس متينة من الوعي والكفاءة.
قد يبدو طرح فكرة رخصة التأهيل للزواج غريبًا على البعض أو مستهجَنًا، لكن دعونا نضع النقاط على الحروف؛ في السابق لم تكن الشهادة الصحية مطلوبة، ولكن أمام واقعٍ مرير من الخلافات التي كانت تنشب من اليوم الأول نتيجة اكتشاف أمراض معدية أو وراثية مخفية، أصبح وجودها اليوم شرطًا قانونيًا لا غنى عنه لحماية الأطراف.
وهنا يجب أن نواجه الحقيقة بصراحة؛ هناك الكثير من المقبلين على الزواج لا يملكون من الثقافة الزوجية إلا القشور. لذلك فإن فرض شهادة تأهيل تتضمن محاور نفسية واجتماعية وثقافة أسرية شاملة، سيساهم بشكل مباشر في خفض معدلات الطلاق المتزايدة. ومن ثم فهي ليست مجرد إجراء إداري، بل ضمانة لبناء أسر صحيحة قائمة على الكفاءة لا على التخمين، وللتأكد من أن كلاً من الرجل والمرأة يدرك تمامًا قدسية هذا الرباط ومتطلباته قبل الدخول فيه. وهذا يعني ببساطة أنه قد حان الوقت لنتحلى بالشجاعة ونكشف المسكوت عنه؛ نحن أمام فجوة وعي حادّة لدى الكثير من الشباب والشابات حيال مفهوم الحياة الزوجية. لم يعد الرهان على أن الأيام كفيلة بالتعليم والتغيير رهانًا ناجحًا، كما أن التدخل التقليدي للأبوين للضغط على الأطراف لم يعد كافيًا لاحتواء أزمات جيلٍ مختلف وتحدياته المعقدة.
فالاعتماد على العفوية في بناء الأسرة هو ما أوصلنا إلى أرقام الطلاق الصادمة التي نراها اليوم. لذا فإن المقترح يتجاوز مجرد التوعية؛ نحن نطالب بأن تكون شهادة التأهيل الزوجي شرطًا أساسيًا ضمن اشتراطات عقد القران.
هذه الشهادة تضمن أن الداخل إلى هذا الرباط المقدس يمتلك الحد الأدنى من المعارف والمهارات، ويدرك الفهم الصحيح لماهية الشراكة، بعيدًا عن التصورات السطحية. إنها خطوة جادة للانتقال من الزواج بالصدفة إلى الزواج عن كفاءة، بما يضمن بناء مجتمع متماسك يبدأ من وعي الفرد قبل توقيعه على العقد القران.
إن مقترح رخصة التأهيل للزواج ليس قالبًا جامدًا، بل هو مشروع وطني يجب أن يُعهد بتفاصيله ومناهجه إلى لجنة من المختصين في علم النفس وعلم الاجتماع والشريعة والقانون. وهؤلاء الخبراء هم المنوطون بوضع الحقائب التدريبية، مع ضرورة تعديل وتطوير برامج الدورة دوريًا لتواكب المتغيرات الاجتماعية المتسارعة، وتلامس التحديات الحقيقية التي يواجهها جيل اليوم.
وهذا الطرح ليس ابتكارًا من العدم؛ بل هو تجربة طبقتها عدة دول وحققت من خلالها نجاحات ملموسة في خفض معدلات الطلاق. وتقوم الفكرة على تحويل التأهيل من خيار تطوعي إلى شرط قانوني لضمان جودة الحياة الأسرية. ففي ماليزيا وإندونيسيا تُعقد دورات تدريبية وتوعوية قبل الزواج بهدف تعزيز استقرار الأسرة. وفي إثيوبيا أُعلنت مؤخرًا عن خطط لفرض شهادة تدريب ما قبل الزواج كشرط قانوني لمواجهة ارتفاع معدلات الطلاق.
ختاماً؛ إن الانتقال من عفوية الاختيار إلى مأسسة التأهيل للمقبلين على الزواج يمثل استثماراً وطنياً واجتماعياً طويل الأمد. فمن خلال تبني هذه الرؤى المتطورة، نضمن تحويل الزواج من مجرد إجراء قانوني إلى بناء معرفي متين، نمنح به أسرنا فرصة حقيقية للاستدامة والنجاح في بيئة صحية ومستقرة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |