|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 4 / 26
بعد أن حللنا في مقالات سابقة كيف يُنتج الفصل بين القوة والسلطة في لحظة الذروة، وكيف يعجز الفاعل عن ردم هذه الفجوة تحت ضغط الزمن، نصل الآن إلى سؤال يبدو متناقضاً: لماذا لا يُسد هذا الفصل حتى بعد أن ينجح الشارع في إسقاط الديكتاتور والإعلان عن "مرحلة انتقالية"؟ الجواب هو أن "الانتقال" في سياق الرأسمالية الطفيلية ليس علاجاً للفصل، بل هو الآلية الأكثر فعالية لإعادة إنتاجه. في السودان، كما في تجارب مماثلة، تتحول الانتفاضة المنتصرة إلى وديعة في يد النظام القديم الذي يغير جلده فقط، وتتحول الديمقراطية الشكلية إلى قبر تدفن فيه مطالب الجماهير الجذرية. هذا النمط تكرر في 1985-1989، ثم تكرر في 2019-2021، ثم توج بحرب 2023 التي أثبتت أن ما لم يُبنَ من سلطة بديلة يتحول إلى نزاع على الغنيمة بين فصائل النخبة الحاكمة نفسها. فهم آلية "الانتقال الفاشل" هو الجسر السلبي الذي يصل بين تشخيص العجز الذاتي وبين شروط كسر الفصل.
في صباح 6 أبريل 1985، كان المجلس العسكري الانتقالي قد أمسك بزمام الأمور بينما كانت الجماهير لا تزال تحتفل. خلال أسابيع، تم حل لجان التنسيق النقابية التي قادت الإضراب، وتم استبدالها بهيئات تفاوضية بروتوكولية. تم الوعد بانتخابات حرة نزيهة خلال عام. في أبريل 1986، جرت الانتخابات. من فاز؟ الأحزاب الطائفية التقليدية – الأمة والاتحادي – التي كانت تمتلك آلياتها الانتخابية في الريف، بينما اليسار الذي قاد الانتفاضة كان حاضراً في الخرطوم وحدها. حصل الحزب الشيوعي السوداني على ثلاثة مقاعد فقط. الانتفاضة التي أسقطت الديكتاتور تحولت إلى حكومة ائتلافية يرأسها الصادق المهدي (زعيم حزب الأمة) ويشارك فيها الاتحاديون والإخوان المسلمون. القوى التي ناضلت ضد نميري وجدت نفسها تدير دولة نميري دون نميري. كل هذا حدث تحت شعار "الانتقال الديمقراطي" الجامع.
لكن ما الذي حدث بالضبط بين 6 أبريل 1985 وانتخابات 1986؟ حدث شيء بسيط: إعادة توزيع الأدوار داخل الكتلة الحاكمة دون المساس بعلاقات الملكية أو هيكل الجيش أو تبعية الاقتصاد. المجلس العسكري الانتقالي، بقيادة الفريق سوار الذهب، لم ينحل. بل تراجع إلى الخلف، وأدار عملية انتقالية تحت إشرافه، وضمن أن أي حكومة مدنية قادمة لن تمتلك صلاحية مراقبة الميزانية العسكرية أو تنفيذ تأميمات. الحكومة المدنية برئاسة الصادق المهدي، رغم وعودها الانتخابية، لم تحدث تغييراً اقتصادياً واحداً: بقيت الديون الخارجية كما هي، بقيت أولويات صندوق النقد كما هي، بقيت احتكارات التجارة والاستيراد في يد النافذين. الفساد والقمع اللذان ثار عليهما الناس عادا بصيغة مدنية أكثر أناقة. وفي يونيو 1989، جاء انقلاب الإنقاذ الذي أطاح بهذه الديمقراطية الهشة، وأعاد الجيش إلى الواجهة بوجه إسلامي جديد.
لماذا قبِل اليسار بهذا المسار؟ لأنه كان يرى في "الديمقراطية البرلمانية" مكسباً تاريخياً وانتصاراً، بدلاً من أن يراها خنجراً في خاصرته. هذا ليس خطأ تكتيكياً، بل هو نتيجة إطار "الثورة الوطنية الديمقراطية" الذي حوّل الديمقراطية الشكلية إلى غاية بدلاً من أن يجعلها وسيلة مرحلية. حين طرح الحزب الشيوعي برنامجاً انتخابياً قائماً على مطالب دستورية وإصلاحية، خاض الانتخابات بآليات لا يمتلكها، وانكشفت هشاشته أمام الأحزاب الطائفية التي تمتلك عصبية قبلية ودينية في الريف. الدرس الذي لم يُستخلص بعد هو أن الديمقراطية الليبرالية، في مجتمع الهامش الرأسمالي، هي لعبة رأس المال لا لعبة العمال. هي أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية لا لترسيخ العدالة الاجتماعية. الانتخابات التي تأتي بعد انتفاضة تمنح الشرعية لمن يملك المال لا لمن يملك الشارع.
أربعة وثلاثون عاماً بعد انتفاضة 1985، في ديسمبر 2018، تكررت الحبكة بآليات مختلفة لكن بنفس الجوهر. انتفاضة شعبية بإمكانات تنظيمية أكبر – لجان مقاومة، تنسيق نقابي رقمي، اتحاد مهني أكثر حضوراً – لكنها وقعت في نفس الفخ. سقط البشير، تشكل مجلس عسكري انتقالي، ثم حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك أشرفت على "فترة انتقالية" لم تمس البنية الاقتصادية، وتركت الجيش في موقعه، وأجرت إصلاحات اقتصادية وفق شروط صندوق النقد، ورفعت الدعم عن الخبز والوقود، مما زاد من معاناة الجماهير التي انتفضت من أجل الخبز قبل عامين. تم حل لجان المقاومة بالقوة في يونيو 2019، ثم تفككت قوى الحرية والتغيير في صراعات داخلية، ثم انقلب الجيش مرة أخرى في أكتوبر 2021، وانتهى السودان في حرب أهلية طويلة بين فصائل عسكرية منذ أبريل 2023. كل هذا كان ممكناً لأن الانتفاضة لم تقترب من هيكل السلطة العميق: الجيش، البنك المركزي، شركات الاستيراد الكبرى، الأراضي الزراعية. اكتفت بتغيير الوجوه والتفاوض على مقاعد وزارية.
في هذا السياق، يبرز سؤال العلاقة مع الدين كساحة صراع طبقي. اليسار السوداني، في تجربته التاريخية، تعامل مع الدين غالباً كـ"وعي زائف" يجب تجاوزه بالتنوير، أو كأداة في يد الطبقة الحاكمة لتضليل الجماهير. لكن هذا التحليل، رغم دقته الجزئية، فشل في ترجمته إلى استراتيجية هيمنة مضادة. الإسلاميون، بالمقابل، لم يكتفوا بخطاب ديني، بل بنوا شبكة من البنوك الإسلامية، وصناديق الزكاة، وجمعيات الأحياء، والمدارس الدينية، والعيادات الخيرية – أي بنية تحتية مادية اجتماعية ربطت جماهير الطبقة المتوسطة الدنيا والفقراء بمشروعهم في الحياة اليومية، ليس فقط في الخطب السياسية. عندما سقطت دولتهم في 2019، بقيت هذه البنى التحتية، بينما اليسار الذي لم يبنِ مثلها وجد نفسه يخاطب فراغاً. الدين ليس مجرد أيديولوجيا – هو مؤسسة اقتصادية واجتماعية. بدون نزع هذه المؤسسات من سيطرة الرأسمالية السياسية وإعادة توجيهها نحو احتياجات الجماهير، يظل الدين حليفاً للعدو.
الدعم الإمبريالي والإقليمي لعب دوراً حاسماً في تثبيت هذا الفصل. في 1985، كانت السعودية ومصر (تحت حكم السادات) والولايات المتحدة حريصة على أن لا يؤدي سقوط نميري إلى فوضى تهدد مصالحها. في 2019، تكرر السيناريو: السعودية والإمارات قدمتا ثلاثة مليارات دولار للمجلس العسكري فور سقوط البشير، كدعم للاستقرار وضمانة ضد أي توجه يساري. صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اشترطا إصلاحات اقتصادية (رفع الدعم، تخفيض العملة) كشرط لأي قروض جديدة، مما قيد الحكومة المدنية وحولها إلى وكيل لسياسات التقشف. الإمبريالية لا تحتاج إلى احتلال عسكري مباشر – يكفيها السيطرة على شروط القروض والديون لضمان أن أي انتقال لن يمس جوهر التبعية.
الضغط الدولي لم يكن فقط اقتصادياً، بل كان سياسياً أيضاً. فكرة "الانتقال المدني" التي روج لها الغرب كانت في جوهرها انتقالاً يجرد الانتفاضة من مضمونها الطبقي ويحولها إلى "شراكة" بين المجتمع المدني والجيش والأحزاب التقليدية. هذه الشراكة لا تنتج سلطة بديلة، بل تنتج حكومة هشة لا تملك صلاحية حقيقية، وتظل مرهونة بإرادة المؤسسة العسكرية وقرارات المؤسسات المالية الدولية. في 2019، كما في 1985، وافق اليسار على هذه اللعبة لأنه كان يظن أن وجوده في الحكومة هو هدف، لا أن الهدف هو تحطيم جهاز الدولة وبناء جهاز جديد.
ما يبقى من هذه التجارب المؤلمة هو أن "الانتقال" كصيغة سياسية في إطار الرأسمالية الطفيلية هو سراب. لا يمكن الانتقال سلمياً من ديكتاتورية إلى ديمقراطية حقيقية (أي تطال الاقتصاد) لأن الطبقة الحاكمة لن تسلم مفاتيح السلطة طواعية. ما يمكن أن تقدمه هو تحول في شكل الحكم – من عسكري شمولي إلى مدني برلماني – مع بقاء الجوهر كما هو. هذا ليس انتقالاً، بل هو إعادة تموضع. الانتفاضة التي تكتفي بهذا المستوى تعيد إنتاج الفصل بين القوة والسلطة، وتمنح الجماهير شعوراً بالنصر المؤقت، بينما يستمر النظام في سرقتها على المدى الطويل. الاعتراف بهذه الحقيقة ليس يأساً، بل هو شرط لتجاوزها.
كيف يُكسر هذا النمط؟ لا يكفي أن نعرف أن الانتقال فشل، بل يجب أن نعرف ما الذي كان يجب أن يحدث بدلاً منه. الإجابة ليست في تحسين شروط التفاوض أو زيادة الضغط الشعبي على المجلس العسكري، بل في بناء سلطة مزدوجة تملأ الفراغ قبل أن يملأه الجيش. هذا يعني أن لجان المقاومة يجب أن تتحول إلى مجالس أحياء سيادية تدير شؤون المواطنين اليومية؛ وأن لجان المصانع يجب أن تسيطر على الإنتاج قبل أي استفتاء؛ والميليشيات العمالية يجب أن تنزع سلاح الجيش قبل أن يستعيد السيطرة. هذه ليست أوهام طوباوية – بل هي ما فعله البلاشفة في 1917، وما فعلته الثورة الكوبية في 1959، وما حاولت فعله لجان المقاومة في السودان لكن من دون رابط عضوي بمواقع الإنتاج. الانتقال الحقيقي لا يتم بالتفاوض على مقاعد وزارية، بل ببناء سلطة موازية تجعل الدولة القديمة زائدة عن الحاجة. وهذا بالضبط ما سنتناوله في المقالات القادمة، حيث ننتقل من التشخيص السلبي إلى الاستراتيجية الإيجابية: كسر الفصل.
"جاء السوفييت إلى حيز الوجود باعتباره استجابة لحاجة موضوعية – حاجة ولدت من مجرى الأحداث."
ليون تروتسكي
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |