أخوان الصفاء وخلان الوفاء (8) مدينتهم الفاضلة

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 4 / 25

يرى بعض الباحثين أن "أخوان الصفاء"، هم أصحاب الفضل في ظهور تعبير المدينة الفاضلة في الثقافة العربية، وأن الفارابي أخذه عنهم. أما أصل التعبير، فيعود إلى أفلاطون وتصوراته المتخيلة بشأنها. لذا، يقتضي المنطق القول بأنهم والفارابي أخذوا تعبير المدينة الفاضلة من منبعه الأصيل.
رؤى أفلاطون بخصوص جمهوريته الفاضلة، ذات تأثير واضح على مدينة أخوان الصفاء الموصوفة من قِبَلِهم أيضًا بأنها فاضلة. يقول أفلاطون بخصوص الدافع الرئيس لتصوره بخصوص جمهوريته الفاضلة، إنه أنعم النظر بالحياة السياسية في زمنه، فراعه تلاحق الأحداث فيها، وأخذ بعضها برقاب بعض...وانتهى به المطاف إلى أن تبين بوضوح أن جميع أنظمة الحكم الموجودة، ومن دون استثناء، فاسدة. ولا سبيل لتحقيق حياة سعيدة للجنس البشري، بحسبه، إلا بإحدى وسيلتين: إما أن يتولى مقاليد الحكم جمهرة الفلاسفة السائرين على نهج الفلسفة الصحيحة الحقَّة، أو تحول الطبقة الحاكمة المهيمنة على الشؤون السياسية، بمعجزة من معجزات الإرادة الإلهية، إلى فلاسفة حقيقيين. وقد توصل أفلاطون بعد تأمل واقعه السياسي والاقتصادي إلى أن المِلْكِيَّةَ، هي بؤرة المشاكل والاضطرابات والنزاعات والحروب. لذا، دعا إلى إلغائها بجميع أشكالها وأنماطها، المادية منها والمعنوية للحكام والجنود.
أما مدينة الفارابي الفاضلة، فتقوم على دعامتين رئيستين: التوفيق بين الفلسفة والدين وذلك بالاثبات العقلي للنبوة، وحل مشكلة الرياسة كونها دومًا سبب نزاع وحروب، بحيث يتولاها فيلسوف نبي، أو مجلس رئاسي تتوفر في أعضائه خِصال النبوة.
ونتفق مع الفكرة الرائية بأن اهتمام "أخوان الصفاء" بالمدينة الفاضلة، إنما ينهض دليلًا على أنهم جماعة سياسية هدفها تغيير نظام الحكم في زمنهم والواقع الاجتماعي القائم حينئذٍ.
أول عناصر مدينتهم الفاضلة، الانفتاح، حيث يتسع إطاره ليشمل مصادر المعرفة والأديان والمذاهب والفلسفات كلها، يُضاف إلى ذلك الانسجام مع القوميات بمختلف لغاتها. وإذا ما استحضرنا حقيقة أن القوميات المقصودة هي بالضرورة تلك التي ضمتها الدولة العباسية، فإن الأفكار الكامنة وراء دعوتهم إلى الانفتاح تأخذنا في اتجاهين: الأول، إيمانهم بالتعددية، وبه ينمازون عن قوى الإسلام السياسي في واقعنا العربي اليوم في القرن الحادي والعشرين. والثاني، طرحهم أنفسهم ومنظومتهم الفلسفية كممثلين جدد للمجتمع وبديلًا للنظام القائم آنذاك.
ويرى "أخوان الصفاء" مدينتهم كالجسم الإنساني الحي، وأهلها هم النفس التي تسكن هذا الجسم. المنازل والبيوت والمحال في المدينة تقوم بالدور ذاته، الذي تلعبه أعضاء الجسم ومفاصله. مقصودهم بذلك، أن المدينة أقرب ما تكون إلى أنموذج للتكامل الاجتماعي.
تتطابق مدينتهم الفاضلة مع جمهورية أفلاطون بالفضيلة وقد عَدُّوها أساس المعرفة والجهل سبب البلاء(صدقوا وأيمُ الله)، وفي أهمية دور التربية والتعليم، وتولي السلطة من النخب المثقفة. ويختلفون مع افلاطون في موضوع المِلْكية، فلم يدعوا إلى إلغائها كما دعا، بل إلى تحويل اهتمامات الانسان إلى التوجهات الروحية وليس المادية.
ويلتقي أخوان الصفاء مع الفارابي، في تولي رئاسة المدينة مجلس رئاسة يتألف من الحكماء ممن تجتمع فيهم جُل خِصال الأنبياء.
وينبري "أخوان الصفاء" في رسائلهم إلى تحديد شروط مدينتهم وخصائل أهلها، إذ يقولون بهذا الخصوص: "ينبغي لنا أيها الأخ أن نتعاون ونجمع قوة أجسادنا ونجعلها قوة واحدة، ونرتب تدبير نفوسنا تدبيرًا واحدًا، وتبني مدينة فاضلة روحانية... وينبغي أن يكون أهل هذه المدينة قومًا أخيارًا حكماء فضلاء مستبصرين بأمور النفوس وحالاتها، وما يتبع ذلك من أمور الأجساد وحالاتها . وينبغي أن يكون لأهل المدينة سيرة جميلة كريمة حسنة يتعاملون بها فيما بينهم، وأن يكون لهم سيرة أخرى يُعاملون بها أهل المدن الجائرة، ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الأرض حيث تكون أخلاق سائر المدن الجائرة، ولا ينبغي أيضًا أن يكون بناؤها على وجه الماء لأنه يصيبها من الأمواج والاضطراب ما يصيب أهل المدن التي على السواحل والبحار، ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الهواء مرتفعًا لكيلا يصعد اليها دخان المدن الجائرة فتكدر أهويتها، وينبغي أن تكون مشرفة على سائر المدن ليكون أهلها يشاهدون حالات أهل سائر المدن في دائم الأوقات، وينبغي أن يكون أساس هذه المدينة على تقوى الله كيلا ينهار بناؤها، وأن يشيد بناؤها على الصدق في الأقاويل والتصديق في الضمائر، وتتم أركانها على الوفاء والأمانة كيما تدوم ويكون كمالها على الفرض في الغاية القصوى التي هي الخلود في النعيم". (الرسالة 48).
هنا، يتجلى الجانب المثالي في تصور "أخوان الصفاء" لمدينتهم الفاضلة وشروطها، وأهمها التخلص من العناصر المادية الأربعة المُكَوِّنة للموجودات المادية وأثرها في توجيه سلوك الانسان، وهي التراب والماء والهواء والنار. ويضيفون شروطًا أخرى، كما نقرأ في رسائلهم، منها المشاركة في العلم والمال، وحُسن التعامل والنصيحة، واستيعاب فكرة النظر للموجودات وعِلَلِها، والإحاطة بالعلوم والمعارف، والإلمام بفضائل الأمم والأديان. ومن الشروط أيضًا، الأخلاق والتعاون البعيد عن الأنانية، وتحقيق التوافق والإخاء والعلم والتعلم. منظومة سلوكية وأخلاقية، مُعَدَّة بإحكام لمجتمع ودولة يرى مُعِدُّوها أنهم أهلٌ لإدارتهما.
ويلحظ الباحث في خطاب "أخوان الصفاء" المتعلق بمدينتهم، النزوع الصوفي إلى مخاطبة الإنسان للتخلص من مطالب الجسد، كي لا تظل مسيطرة عليه فتأخذه إلى دروب الرذيلة. ولا غرابة في ذلك، فقد وضعوا فلسفة عميقة لمدينتهم بمعايير زمانهم، تنفي تعلقها بالعناصر الأربعة المشار إليها في قولهم المذكور قبل قليل بخصوص مكان وجودها. ويُفهم منه ألا يكون بناؤها في التراب أو الماء أو الهواء أو النار، وهي عناصر الوجود المادي. ومنها يتكون الإنسان، وهي في الآن عينه ذات أثر كبير في توجيه سلوكه. غايتهم المبتغاة في هذا الجانب، التحلي بروح الإيمان لبناء المجتمع وهي لا تكون برأيهم إلا مع الإيمان.
وبشأن أهل مدينتهم، يصنفهم "أخوان الصفاء" في أربع مراتب: الأولى، ذوو الصنائع، أي أصحاب الصناعة والعمال. والثانية، ذوو الرياسات. والمقصود السياسيون، ومهمتهم مساعدة "الأخوان" ومراعاة شؤونهم. والثالثة، الملوك ذوو الأمر والنهي، ويتركز عملهم في التنسيق بين طبقات المجتمع، وإزالة الخلافات، وانتهاج أساليب مرنة لطيفة في التعامل مع المخالفين للمحافظة على مدينتهم وطبقتهم. وأخيرًا، طبقة الإلهيين أصحاب المشيئة والارادة. وأضافوا إلى هؤلاء أصحاب العلم والتربية والمفكرين، لأن مدينتهم لا يدخلها الجهلاء. (يتبع)

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن