|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 4 / 24
في اللحظة التي سقط فيها نميري، انتقلت الانتفاضة فجأة من زمن الكايروس – زمن القطيعة والاقتحام واللحظة المفتوحة – إلى زمن الكرونوس، زمن الانتظار والترقب والثقة في أن ما تحقق سيبقى. قبل أسابيع فقط، كانت قطارات السكة الحديد متوقفة، والمصانع ساكنة، والمستشفيات مغلقة. الدولة كانت مشلولة. ثم جاء المجلس العسكري، وأعلن نفسه سلطة انتقالية، ودعا الجماهير إلى "العودة إلى العمل" و"استكمال المسيرة الديمقراطية". والأغرب: الجماهير عادت. لم ترسل دباباتها، ولم تفرض حصاراً على الثكنات، بل رفعت أيديها عن مفاصل الدولة التي سيطرت عليها قبل أيام. لم يكن الانسحاب عفوياً. كان نتاج عجز موضوعي: غياب سلطة مزدوجة حقيقية، وغياب برنامج انتقالي، وغياب حزب قادر على قول "الآن نحن نحكم". لكنه كان أيضاً نتاج عجز ذاتي: عجز الفاعل الثوري عن إدراك أن النافذة الزمنية التي فتحت ستُغلق لا محالة إن لم تُسد فوراً بالاستيلاء على السلطة. هذا هو الزمن المعاد إنتاجه ذاتياً: أن يعجز الفاعل عن امتلاك الزمن الثوري، فيعود الزمن مادة خام في يد النظام.
ما فعله الجماهير بعد 6 أبريل 1985 كان، بمعيار دقيق، تفويضاً للنظام بهيمنة أطول مما كان يستحق. حين تركت لجان التنسيق النقابية الشارع واستبدلته بقاعات التفاوض، أعلنت بذلك أن دورها كان مرحلياً. فقد سلمت زمام المبادرة إلى قوى تمتلك ما تفتقر إليه النقابات: مركزية القرار، ومشروعية الحكم المستمرة، وجهاز قمعي يعيد تنظيم نفسه بسرعة. غياب "آلية التحول" من حركة احتجاجية إلى هيئة حاكمة حوّل النجاح الميداني إلى نصر سياسي مؤقت. كلما تأخر الفاعل في ملء الفراغ – أي كلما لم يقتحم القصر الرئاسي ويعلن سلطته البديلة – كان النظام يسبقه. ليس لأن النظام أقوى، بل لأن زمن الفراغ يصب في مصلحة من يملك جهازاً منظماً بالفعل. أبطأ الجدول زمنياً من ضباط المجلس العسكري الذين قرروا في ساعات.
ثمة شرط زمني خاص لانتصار الثورات، لا يتعلق بسرعة الانفجار فقط بل بسرعة التحول. الثورة ليست استفتاء، بل هي انقطاع. وبمجرد أن يتوقف الفعل الثوري ويبدأ الانتظار، يُعاد إنتاج الزمن الطبيعي – زمن الانتظار السلبي، زمن الترقب لمن سيحكم بدلاً من حكم الذات. في ذلك الزمن الطبيعي، تكون أجهزة الدولة المنتظمة هي اللاعب الأسرع. لذا، الفارق بين الانتفاضة والثورة ليس كمية العنف أو عدد المتظاهرين. الفارق هو السرعة في تحويل اللحظة إلى مؤسسة. والمؤسسة لم تُبن، والنظام أعاد تنظيم نفسه.
الانتخابات البرلمانية التي جرت في أبريل 1986، بعد عام بالضبط من سقوط نميري، كانت لحظة الذروة في إعادة إنتاج الزمن الطبيعي. بالنسبة للطبقة الوسطى المهنية والحزبية، كانت الانتخابات هي تجسيد "التحول الديمقراطي" الذي ضحوا من أجله. أما بالنسبة لقطاعات أوسع من العمال والموظفين المنهكين، كانت الانتخابات عودة إلى طقوس السياسة التقليدية: صناديق، أوراق، خطابات، ووعود عريضة. لكن الفارق أن القوى التقليدية – أحزاب الأمة والاتحادي – كانت تمتلك جهازاً انتخابياً في الريف، بينما كان اليسار الذي قاد الانتفاضة يفتقر إلى نفس الامتداد. النتيجة المفارقة أن الانتفاضة الجماهيرية أسفرت عن برلمان يسيطر عليه ممثلو النمط القديم من السياسة، بينما قواها الفاعلة كانت ممثلة تمثيلاً ضعيفاً في المجلس.
ما حدث في مسار "الانتقال الديمقراطي" أعاد إنتاج أزمة الشرعية والاقتصاد. لم تتغير علاقات الملكية، ولم تُنزع السلطة من الجيش، ولم يُساءل الكمبرادور أصحاب الثروات. السياسة الديمقراطية، كما جربها السودان في 1986، أثبتت أنها لا تمس النظام الاقتصادي. إنها لا تصادر مصانع، ولا تؤمم بنوكاً، ولا تمس الريع، ولا تحول توزيع الثروة. لذلك بقيت الانتفاضة عالقة بين المطلب السياسي والمطلب الاقتصادي، وبين الشعارات الطبقية والواقع الطائفي.
ما بعد الانتخابات لم يكن انتقالاً "ناجحاً" بقدر ما كان تفريغاً لطاقة الانتفاضة ببطء. الجيش لم ينحل، ولم يُدمج في سلطة مدنية، بل تراجع شكلياً ليعود بقوة بعد ثلاث سنوات. والحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي كانت حكومة أزمة: تعثر اقتصادي، مشاكل في دفع رواتب الموظفين، ضغط خارجي لخدمة الديون، وأزمة حرب في الجنوب. وكانت الآلية الأكثر فعالية لإعادة إنتاج الزمن الذاتي هي صيغة "الانتقال الديمقراطي" ذاتها، التي تجعل تحقيق الديمقراطية الشكلية غاية في حد ذاتها لا وسيلة.
الديمقراطية الحزبية الانتخابية لعبت في هذا السياق دوراً مزدوجاً. في ظاهرها كانت تمثل الرغبة في الاستقرار والخلاص من الماضي. في جوهرها، أخضعت الجماهير من جديد لمنطق التفويض: ينزل المواطنون إلى صناديق الاقتراع لينتخبوا ممثلين، ثم يعودون إلى حياتهم اليومية تاركين القرار لمن انتخبوا. بعد أن كسر الشارع حالة الخوف والإرهاب، قبلت الجماهير بأن تعيد تشكيل نفسها كهيئة ناخبة لا كهيئة حاكمة. هذه ليست مجرد "ديمقراطية ناقصة" – بل هي آلية فعالة لإعادة إنتاج الفصل بين القوة والسلطة.
انقلاب 30 يونيو 1989 لم يكن نهاية تجربة ديمقراطية "صادقة وحيدة"، بل كان النتيجة الطبيعية لمسار أدى إلى الفراغ. الحزب الشيوعي السوداني، الذي كان يعرف أنه يخوض مرحلة "بناء القاعدة والانتظار"، انتظر كثيراً. في المؤتمر الحزبي في 1988، جرى نقاش فعلي حول عجز الحزب عن قيادة الجماهير نحو سلطة بديلة. لكن النقاش انتهى كغيره من النقاشات اليسارية السودانية: استنتاجات نظرية حول ما يجب فعله في المستقبل، دون آلية لتنفيذه الآن. هذا النقاش الذاتي كان مثالاً خطيراً لإعادة إنتاج الزمن كعائق ذاتي. بدلاً من تسخير الوقت المتبقي لبناء سلطة موازية على الأرض، أضاع الحزب الوقت في صياغة تحليلات أكثر دقة لمراحل التطور التاريخي. مارس العجز عن الفعل تحت غطاء تعقيد التحليل.
روزا لوكسمبورغ، في سياق مشابه، نبهت إلى أن الأخطاء التي ترتكبها حركة ثورية حقيقية هي أكثر خصوبة تاريخياً من معصومية أذكى اللجان المركزية. هذا يعني عكس ما يظنه كثيرون: أن الأخطاء ليست مجرد إخفاقات تُمرر بعد فوات الأوان، بل هي مادة خصبة إذا ما حُلّلت وعولجت بسرعة. الخطأ هو أن بعض الأفكار النظرية تستبدل القدرة على الفعل وتصبح بديلاً عنه، ذريعة لانتظار ظروف أفضل بدلاً من التحرك لصنع الظروف. تحول النقد المؤجل إلى عائق ذاتي حقيقي. لقد ناقش اليسار الخطأ في المؤتمرات، وحلل الإخفاقات في التقارير، وكتب بيانات بعد إغلاق النافذة. لكنه كان في اللحظة الحاسمة عاجزاً عن "إعلان بصوت عالٍ" أن الوقت الحقيقي للثورة هو الآن.
من يستطيع أن يفعل الآن، لا الذي يشرح لماذا لم يستطع أن يفعل أمس. من يستطيع امتلاك لحظة الفعل يفوز بها. الفاعل الثوري لا يكتفي بتحليل الظروف، بل يخلق إمكاناتها ويبني أدواتها. انقلاب 1989 أعاد تعريف المصطلحات: لم يعد "الانتقال الديمقراطي" ممكناً. ساد حكم عسكري إسلامي بتغيير هوية الدولة. والجماهير التي أنجزت 1985 لم تكن قادرة على مواجهة هذا الانقلاب. كانت مشتتة، محبطة، منقسمة. الفاعل الثوري الذي فشل في تحويل الزمن الثوري إلى سلطة وجد نفسه بعد الانقلاب يبدأ من الصفر أو يقترب منه.
هذا العجز الذاتي في امتلاك الزمن يتكرر مع كل جيل. بعد أربعة وثلاثين عاماً، في ديسمبر 2018، كررت الانتفاضة السودانية آليات أسلافها. الحراك الذي أسقط البشير انتظر الاعتصام بضعة أشهر، وترك للمجلس العسكري أن يدير الفترة الانتقالية، وبنى لجان مقاومة قوية لكن بلا اتصال مصانع. حتى بعد وسائل التواصل، تكرار زمن الانتظار. في التفاصيل: اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، قرب قيادة الجيش، كان نقطة القوة والضعف معاً. القوة حين اختار المتظاهرون موقع المعسكرات لشل تحرك العسكر. الضعف حين جعلوا من الجيش (عبر التفاوض) شريكاً بدلاً من أن يبنوا سلطتهم البديلة على مسافة من القيادة العامة. في أكتوبر 2021، الانقلاب لم يواجه سلطة مزدوجة. أعاد جيل 2019 إنتاج نفس الكارثة بتقنية لاحقة، لأن المادة نفسها: نقابات متحدة، شارع ثائر، يمناه تنتظر المجلس العسكري في غرفة التفاوض.
كما قال الفيلسوف السوري سليمان العطار في إحدى صياغاته الفلسفية، إن أكثر الأمور استدامة في التاريخ هي عواقب ما لم يحدث. هذه الجملة تصلح خلاصة للعلاقة بين الانتفاضات المتعاقبة: ما لم يحدث في 1985 – بناء سلطة بديلة، كسر حاسم مع جهاز الدولة – استمرت عواقبه عبر عقود. لم يُهزم نميري فقط، بل أُعيد إنتاج بنية التخلف في صيغ جديدة: الديمقراطية المجردة أولاً، ثم الانقلاب، ثم حكم ديني ظلامي. التاريخ لا يعاقب فقط على ما حدث. يعاقب بشكل أشد أحياناً على ما لم يحدث. عواقب عدم الاستيلاء على السلطة في 1985 كانت أشد استدامة من عواقب الاستيلاء الخاطئ أو الناقص نفسه.
ما الذي يتطلبه كسر هذه الإعادة الذاتية للزمن؟ يتطلب الاعتراف بأن الثورة لا تنتظر الظروف المواتية؛ بل الظروف المواتية هي الثورة نفسها حين تتحقق. الزمن لا يصنع انتظار الثورة بل الثورة تصنع زمنها الخاص. الإرادة الجمعية ليست مجرد مشاعر، بل هي تنظيم في الزمن الحقيقي. الزمن ليس خلفية ثابتة؛ هو فاعل مستقل يُبنى ويُنتج ويُعاد صياغته في الصراع الطبقي.
"إن الأخطاء التي ترتكبها حركة ثورية حقيقية أكثر خصوبة تاريخياً بلا نهاية من معصومية أذكى اللجان المركزية."
روزا لوكسمبورغ.
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |