|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 4 / 24
حين طلب مني أحد الأصدقاء الكتابة عن مقولات الدكتور علي شريعتي، وجدتُ نفسي أمام فكر لم يمت بموت صاحبه عام 1977، بل كأنه كُتب ليخاطب واقعنا اليوم بكل تعقيداته الرقمية. يرى صديقي، وأنا أشاطره الرأي، أن شريعتي لم يكن مجرد مفكر سجنته حقبته، بل كان مشرحاً لوعي الشعوب، تجاوزت رؤيته زمانه لتستقر في صميم تحدياتنا الرقمية الراهنة.
في هذه السطور، سنبحر في مقولات هذا المفكر الذي علمنا أن الإيمان الحقيقي لا يكون إلا بالتعقل، وأن أقسى أنواع العبودية هي تلك التي تأتي من الداخل حين نضع على عقولنا أقفالاً ونسميها تقديساً. هي رحلة لإعادة اكتشاف الطريق إلى الله عبر بوابة السؤال، والتدبر، واليقظة.
لم تكن كتابات الدكتور علي شريعتي مجرد نقد اجتماعي، بل كانت صرخة لاستعادة العقل الذي استخلفه الله فينا. إن جوهر فكره يقوم على أن الإسلام ليس مخدراً للشعوب، بل هو محرك للوعي والفهم الصحيح.
لقد فرض الله علينا التعقل في آيات المحكمات (أفلا يتدبرون، أفلا يعقلون)، وجعل إغفال العقل طريقاً مؤدياً للتهلكة وسوء المصير. فشريعتي يرى أن الاستحمار أي تزييف الوعي لا ينجح إلا عندما يعطل الإنسان حاسة التدبر لديه، ويقبل بما يُملى عليه دون عرض القول على ميزان الحق والمنطق. إن جوهر ما قدمه شريعتي هو دعوة صريحة لاستعادة البوصلة المفقودة؛ وهي العقل الذي جعله الله أداة للتدبر لا مجرد وعاء للتلقين. وهذا يعني ببساطة إن العقل الذي لا يتدبر هو عقل يعيش خارج السياق الحضاري، فالله لم يمنحنا العقل لنملأه بالمعلومات، بل لنعالج به الواقع الذي نعيشه.
فعندما انتقد شريعتي من ينشغل بفكره في حذائه داخل المسجد، كان يُعيد الاعتبار لمعنى الحضور في العبادة؛ فالله لا يريد أجساداً تصطف، بل عقولاً تعي عظمة الخالق ومسؤولية الإنسان في إعمار الأرض. كما يستطرد شريعتي محذراً من فتنة كبرى، وهي التنبؤ بضياع الدين نتيجة سلوك تجاره؛ فعندما يُجبر الناس على الاختيار بين دين بلا عقل أو حياة بلا دين، تكون النتيجة هي التهلكة. إن مراجعة شريعتي لهذا الواقع تذكرنا دوماً بأن المشكلة تكمن في نمط فهمنا للدين، لا في جوهر الدين ذاته.
وفي هذا السياق، تبرز استعارة حية توضح رؤية شريعتي؛ فالإنسان يشبه في تكوينه الأجهزة الذكية التي لا قيمة لعتادها مهما غلا ثمنه إذا لم تُحدَّث برمجياتها بانتظام. ورغم أنّ النفس ترسل إشارات دائمة بضرورة التجديد لمواكبة معطيات العصر، إلا أنّ الكثيرين يغفلون عن هذا التحديث الفكري؛ فكما تفقد الهواتف قيمتها وتتعطل وظائفها إذا لم تُواكب التحديثات، فإن الإنسان الذي يحبس نفسه في قوالب جامدة- يفرضها عليه تجار الدين أو سماسرة السياسة- يتحول إلى أداة للاستحمار؛ وهو المصطلح الذي ابتكره شريعتي لوصف تزييف الوعي، والذي يتجلى اليوم في صورته الأكثر حداثة؛ بالاستحمار الرقمي.
وهذا يعني أنّ الإنسان بحاجةٍ دورية لمراجعة منظومة تفكيره؛ ليس لمجرد مواكبة صرعات الحياة أو الجري خلف ملذاتها، بل لأنّ تزايد الملهيات والمغريات في عصرنا الرقمي يجعل الحاجة إلى القرب من الله أشدّ إلحاحاً من أي وقت مضى.
هذا القرب لن يتحقق بعقول جامدة تسكن الماضي، بل بحديث العقول لتفهم جوهر الحياة وأساسها، وهو عبادة الله بمعناها الشامل؛ العبادة التي تزاوج بين عمارة الأرض ونقاء الروح. إن الإيمان الحقيقي هو نظام تشغيل مرن، يتطور وعيه ليفهم مراد الله في كل زمان ومكان، ويجعل من التدبر بوصلة لا تخطئ الطريق وسط زحام الحياة.
وهذا يعني إن العقل يظل هو البوصلة الأهم لإزاحة غبار التبعية وتوضيح الرؤية نحو الخالق. وفي مقابل هذه الفطرة، نجد محاولات لتعطيل محركات الفكر عبر شعارات مثل لا تجادل ولا تناقش، وهي دعوات تهدف لإيقاف غريزة السؤال والتعرف التي جُبل عليها الإنسان. إن تعطيل العقل هو عين الاستحمار الذي حذر منه شريعتي، حيث يُساق الإنسان خلف قاعدة (إنا وجدنا آباءنا على أمة) ، مما يؤدي إلى ركود روحي وهلاك جماعي.
إن القرآن الكريم نفسه يحضنا على التفكير الجسور؛ فها هو إبراهيم الخليل -عليه السلام- يطرح سؤالاً إيمانياً عميقاً: (ربِ أرني كيف تحيي الموتى)، طلباً لاطمئنان القلب عبر اليقين العقلي لا التسليم المجرد. بل إن أسمى دروس الحوار تتجلى في استماع الله عز وجل لإبليس دون مقاطعة، وهي رسالة سماوية لنا بضرورة الاستماع للآخر مهما بلغ الخلاف، فالحق لا يخشى النقاش.
من هنا ندرك أن الإيمان فعل مرتبط بتفعيل العقل، بينما قد يكون الإسلام مجرد انقياد شكلي أو ظاهري، كما في قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) . فالإيمان الذي لا يمر عبر بوابة العقل يظل هشاً، أما الإيمان الحقيقي فهو الذي يتشكل بالتدبر، ليكون ديناً للأحياء القادرين على المواجهة، لا مجرد طقوس تُقرأ على الموتى. فالخطورة تكمن في تحويل الوعي الديني إلى قوالب جامدة تُكبّل العقل عن السؤال، في حين أنّ السؤال هو مفتاح التدبر الذي حثّ عليه القرآن. إنّ الوعي الذي يتشكل بالتلقين هو وعي هش يسهل اختراقه وتوجيهه، أما الوعي الذي يصقلُه التدبر فهو وعي مستدام، مقاومٌ، وناقد.
إنّ الدعوة إلى التعقل والتدبّر هي، في جوهرها، دعوة لفهم الحياة بعمقها الإلهي؛ وما دون ذلك ليس إلا استمراراً لحالة الاستحمار المتمثلة في الانقياد الأعمى لمسارات يحددها الآخرون. يحاول شريعتي هنا إيقاظ تلك الإشارات الربانية التي تستنهض الإنسان للمراجعة، محذراً من الانزلاق إلى حالة (أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)؛ حيث تُمثل هذه الأقفال الحواجز التي تمنع التدبّر وتُكرّس التبعية. وبناءً عليه، فإنّ تعطيل العقل عن التفكّر في سنن الكون والمجتمع ليس مجرد قصور فكري، بل هو تعطيل لجوهر رسالة الاستخلاف في الأرض.
وهنا تبرز مقارنةٌ كاشفة مع الهواتف التقليدية؛ تلك الأجهزة ذات الأنظمة المغلقة وغير القابلة للتطوير، فهي تعمل بآلية مسبقة وضعها المصنع، ولا تملك مرونةً لاستيعاب مستجدات العصر. وبالمثل، تحاول بعض النظم السياسية-عبر توظيف فئات من رجال الدين- إقناع الناس بأنّ أي محاولة لتحديث التفكير هي خروج عن الهداية، وكأنّ صكوك الحق حكر عليهم وحدهم. إنهم يريدون للإنسان أن يظل نسخةً قديمة جامدة، بينما يطالبنا الخالق بإعادة تعريف أنفسنا من خلال السؤال والبحث؛ فالهداية الحقيقية ليست برمجيةً ثابتة تُورث، بل هي رحلةٌ واعية من التحديث الفكري المستمر، حيث يكون العقل هو المحرك الذي يكسر أقفال التقليد ليفتح الطريق أمام نور اليقين.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |