|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 4 / 23
خلال حضوري فعالية يوم الاحتفاء بالموهبة والتفوق، المنعقدة يوم الأربعاء 22 أبريل 2026م بفندق المهاري – طرابلس، تعززت لديَّ القناعة بأن الغاية الأسمى للتعليم هي إنتاج العقول والأفكار، لا إعادة إنتاج قوالب نمطية جامدة؛ فالتفوق الحقيقي يكمن في القدرة على تجاوز الأطر التقليدية نحو آفاق الخيال المبدع والوجدان الحي.
بيد أن هذه القناعة تجاوزت حدود التأمل النظري لتصطدم بمشهدٍ يستوجب الرصد والتحليل من منظور علم الاجتماع المؤسسي. فبينما غصت القاعة بالحضور، وازدحمت الصفوف الأولى بتمثيلات وزارية واسعة، كشفت تلك الكثافة عن مفارقة بنيوية لافتة؛ حضور سياسي طاغٍ بجسده، لكنه غائبٌ تماماً بأثره الفني ودوره الملموس في صلب الفعالية. والمفارقة الأكبر تجلت في غياب الوزارات المعنية مباشرة برعاية التفوق والموهبة، وهي : التعليم العام، والتعليم العالي، والتعليم التقني والفني؛ وهو ما يعد مؤشراً سوسيولوجياً على تفكك الروابط البينية بين الجمعيات العلمية وجهات الاختصاص الحكومي، مما يجعل من هذا الاحتفاء حلقة معزولة لا تصب في مجرى صناعة السياسات التعليمية لمؤسسات الدولة الليبية.
ومن زاوية أخرى، فإن الاحتفاء بالموهبة والتفوق في بيئة مثقلة بالانقسام السياسي والنزاعات يفرض علينا شجاعة إعادة تعريف مفهومي المتفوق والموهوب. فهل تُقاس الموهبة بالتحصيل المدرسي التقليدي فحسب؟ أم بالقدرة على الابتكار في خضم النزاعات والانقسامات السياسية ؟
إنَّ الموهبةَ والتفوقَ في ليبيا اليوم يُولدانِ من رحمِ أزماتٍ متشابكةٍ ومعقدة؛ وهذا يضع الجمعيات العلمية المختصة أمام مسؤولية مضاعفة الجهود لرصد التحديات الوجودية التي تواجه هذه الفئات، بدءاً من نقص الإمكانات المعملية، وانعدام التحفيز المادي والمعنوي، وصولاً إلى تشتت المؤسسات بين إدارتين، وانتهاءً بمخاطر الهجرة أو الإحباط السياسي.
وعليه، فإن كل تلك المعطيات تدفعني - كباحث في علم الاجتماع - إلى التأكيد على أهمية مقاربة ملف الموهوبين والمتفوقين عبر مؤشرات رقمية وبيانات صلبة، بعيداً عن صخب الخطاب الاحتفائي؛ ومن هنا تبرز تساؤلات ملحة تتطلب إجابات منهجية: ما هي المؤشرات الواقعية لقياس مستوى الموهبة في ظل الانقسام الحالي؟ وأين هي التقارير الدورية التي ترصد مسارات هذه العقول وتكشف عن النتائج الملموسة للدعم المقدم؟
إن استحقاقات المرحلة تفرض على هذه الجمعيات - كفاعل اجتماعي - أن يتجاوز دورها مرحلة توزيع الدروع وشهادات التكريم إلى رحاب إنتاج المعرفة. فنحن بحاجة ماسة إلى تقارير استشرافية تجيب بوضوح: أين يتجه المتفوقون؟ وما هي التحديات النوعية التي تواجههم في البيئة الليبية؟ وكيف تبدو خارطة طريق استثمارهم وطنياً؟
إن هذه التساؤلات تقودنا بالضرورة نحو الانتقال إلى سوسيولوجيا الاستثمار البشري، حيث تتحول الجمعيات إلى جسورٍ تربط الموهبة بمراكز القرار التنموي. فالموهبة والتفوق ليسا غاية في حد ذاتهما، بل هما وسيلة لنهضة المجتمع؛ وقيمتهما الحقيقية لا تُقاس إلا بمدى القدرة على تحويلهما إلى معرفةٍ قابلة للنشر والتطبيق.
وفي الوقت الذي تبدو فيه الملاحظات المنهجية ضرورةً للتطوير والتحسين، يظل تقدير هذه الجهود واجباً أخلاقياً ووطنياً، فهذه الجمعيات هي التي تمنحنا اليوم وقود الأمل. وتكمن القيمة الحقيقية لهذه الكيانات في قدرتها على إبقاء شعلة النخبة الوطنية متقدة، بعيداً عن دهاليز اللجان الرسمية والأطر الحكومية المكبلة بالبيروقراطية والروتين القاتل.
إن هؤلاء المتطوعين والزملاء الذين نعتز بهم، يعملون بكد وإخلاص في مساحة من الحرية الفكرية لا توفرها المؤسسات الحكومية التي غالباً ما يبتلعها الجمود الإداري؛ فهم الذين يبنون الجسور حيثما هدمتها السياسة، ويصرون على الاحتفاء بالتميز رغم غياب الدولة. لذا، فإن نقدنا لغياب الأرقام أو المؤشرات لا يقلل أبداً من قيمة الفعل التطوعي، بل هو دعوة لتمكين هذا الأمل بالأدوات العلمية، ليكون أكثر صموداً وتأثيراً في وجه تقلبات الزمن.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |