تفكيك الوهم وبناء الذات: قراءة نقديّة في رواية -العاشرة عشقًا- للكاتبة الفلسطينيّة ريتا عودة

أحمد كامل ناصر
2026 / 4 / 21

تقدّم رواية "العاشرة عشقًا" للكاتبة ريتا عودة نصًا سرديًا يتجاوز القالب التقليديّ للرواية، إذ لا يقوم على الحكاية بوصفها تسلسلاً خطيًا للأحداث، بقدر ما ينهض على تجربة وجوديّة تكتب من الداخل، حيث تتداخل الذاكرة مع الحاضر، ويتحوّل الألم إلى بنية لغويّة وجماليّة. منذ الجملة الأولى التي تصف وقع المرض: "نزل عليّ الخبر كما لو أنّ السماء أطبقت على الأرض"، نكون بإزاء نص يعلن انحيازه إلى الداخل الإنسانيّ، حيث الحدث ليس غاية في ذاته، بل مدخلًا إلى تفكيك الذات وإعادة بنائها.
غير أنّ الرواية، على الرغم من طابعها التأمليّ، تستند إلى مسار حكائيّ واضح، يبدأ بصدمة المرض، ثم ينفتح على استرجاع حبّ قديم يتمثّل في شخصيّة خالد، التي تشكّل محورًا عاطفيًا مركزيًا في وعيّ البطلة. تقول ليلى: "خالد! حبّي الأوّل والأخير... قبله لم يكن حبّ وبعده لن يكون"، وهي عبارة تؤسّس لصورة مثاليّة للحبّ، سرعان ما تتكسّر تحت ضغط الواقع. فالعلاقة التي نشأت في فضاء بريء تقمع بفعل سلطة الأب، الذي يعترف لاحقًا: لو لم أهدده أنا شخصيّا بالقتل، لكانا تزوّجا، مما يحوّل الحبّ إلى ذاكرة معلّقة، ويجعل من الانتظار فعلًا نفسيًا طويلًا يثقل وعي البطلة.
عندما يعود خالد بعد سنوات، لا يعود بوصفه البطل المنتظر، إنّما شخصيّة مأزومة تحمل جرحها الخاصّ: "فقدت زوجتي... صار الموت هاجسي". وهنا تبلغ الرواية لحظة انكشاف حاسمة، خاصّة في مشهد اللقاء عند البحر، حيث تتلاشى الصورة المتخيّلة، وتدرك ليلى أنّ خالدًا لم يكن كما ظنّت، فتقول بوعي نقديّ لذاتها: "خالد لم يكن، قطّ، بطلًا فيها. كان ضميرًا مستترًا". بهذا التفكيك، تنزع الرواية عن خالد مركزيّة البطولة، وتحوله إلى مرحلة في تشكّل وعي البطلة، لا إلى غاية هذا الوعي.
بالتوازي مع هذا المسار العاطفيّ، تنسج الرواية خيطًا آخر أكثر قسوة، يتمثّل في تجربة القهر داخل البنية الاجتماعيّة. من الأب المتسلّط إلى الأخ العنيف، وصولًا إلى الزواج القسريّ من فيصل، تتكرّر أنماط الهيمنة في صور متعددة. ويبلغ هذا القهر ذروته حين تصف ليلى زواجها بعبارة صادمة: "وثيقة عبوديتي المسمّى: وثيقة زواج"، حيث يتحوّل الزواج من رابطة إنسانيّة إلى أداة امتلاك. وتتجلّى قسوة التجربة في مشاهد العنف الجسديّ والنفسيّ، التي لا تعرض بوصفها وقائع فقط، لكن بوصفها ندوبًا في الوعي.
غير أنّ الرواية لا تقف عند حدود تسجيل الألم، إنّما تتقدّم نحو لحظة وعي فارقة، حين تعلن ليلى: "أنا مش دمية... أنا كيان"، وهي لحظة تمثّل بداية التحوّل من الخضوع إلى المقاومة. في هذا السياق، يتخذ حضور خالد شكلًا رمزيًا داخليًا، إذ يظهر كطاقة داعمة لا كشخصيّة فاعلة، قبل أن يتلاشى مع اكتمال وعي البطلة بذاتها. وتبلغ الرواية ذروتها حين يعتدي عليها زوجها بعنف، فتقرر كسر دائرة الصمت: "رجاء: اتصل بالشرطة"، وهو فعل يعبّر عن انتقالها من موقع الضحيّة إلى الفاعل.
النهاية، بدورها، لا تقدّم حسمًا تقليديًا، بل تفتح أفقًا تأمليًا، خاصة مع انتحار فيصل: "الظاهر إنّه انتحر"، حيث تجد ليلى نفسها أمام مفارقة إنسانيّة معقّدة: "أأفرح لأنني أخيرًا صرت حرّة أم أحزن لأنّه أحد ضحايا التنشئة؟ هذا السؤال لا يعكس ترددًا بقدر ما يكشف عن وعي نقديّ عميق يتجاوز الثنائيات الجاهزة، ويضع القارئ أمام بنية اجتماعيّة تنتج الضحيّة والجلاد معًا.
على المستوى الفنيّ، تنتمي الرواية بوضوح إلى جماليات الأدب الجديد، من حيث تفكيك البنية الخطيّة للسرد، والاعتماد على مشاهد قصيرة متقطعة، تتخللها فراغات وفواصل بصريّة تعكس تشظي الوعي. كما تتداخل اللغة الشعريّة مع السرد، فتتحوّل الجملة إلى وحدة شعوريّة مكثفة، كما في التكرار الإيقاعيّ لعبارات مثل: "لن أنكسر" و"أنا أطير"، حيث يصبح التكرار أداة مقاومة، لا مجرد عنصر جماليّ. كذلك، تشتغل الرواية على شبكة رمزيّة دالّة، يتكرّر فيها حضور البحر بوصفه فضاءً للتأمّل والتحرّر، والفراشة بوصفها رمزًا للتحوّل والانبعاث، مقابل العنكبوت الذي يرمز إلى القيد والسيطرة.
وفي هذا المسار، يتجلّى الأسلوب الذي يميّز الرواية، حيث تتداخل اللغة الشعريّة مع السرد، فتخرج الجملة من وظيفتها الإخباريّة إلى طاقتها الإيقاعيّة والدلاليّة. نلحظ ذلك في المقاطع التي تنفلت من السرد لتقترب من القصيدة، كما في قولها:
"سأغنّي لأنتصر
أمام ضعفي
لا... لا...
لن أنكسر"
هنا يتحوّل القول إلى فعل مقاومة، ويغدو التكرار إيقاعًا نفسيًا يعبّر عن صراع داخليّ. ومع هذا التحول الدراميّ، ينتقل النصّ من "القصيدة المتوحشة" إلى "نشيد الانبعاث"، حيث تختار ليلى أن تتحوّل من "يرقة" مسجونة في شرنقة القدر إلى "فراشة" تحلق بعيدًا عن سلطة الأب وخيبات خالد ووهن الجسد.
كما في قولها:
"ها أنا أعودُ إليّ
يرقةً تغلّفها شرنقة
ها أنا أنبثقُ
فراشةً حرّة...
أنا... أطير"

وتتعمّق هذه الشعريّة في حضور الجمل المكثفة التي تحمل طابعًا تأمليًا، مثل: "الحياة قصيدة، لكنّها قد تكون أحيانًا متوحّشة"، وهي عبارة تؤسس لرؤية الرواية بأكملها.
إجمالاً، تبدو رواية "العاشرة عشقًا" وثيقةً أدبية نابضة بالصدق، تنجح في مزج وجع الجسد بأنين الروح ضمن نسيج لغويّ يتجاوز حدود السرد التقليديّ إلى أفق شعريّ كثيف. لقد استطاعت الكاتبة أن تقيم توازنًا دقيقًا بين قسوة الواقع ورهافة الحلم؛ واقع يتجلّى في المرض والقهر، وحلم يتبدّى في الإصرار على الانبعاث من الرماد. إنّها رواية لا تبقى في الذاكرة بوصفها قصّة ألم فحسب، إنّما تبقى كملحمة أمل تتشكّل ببطء من قلب الانكسار، لتؤكد أنّ الكتابة هي فعل نجاة، وأنّ اللغة حين تتماهى مع التجربة، تصبح قادرة على إعادة خلق الإنسان من جديد.

الطيرة – 21.4.202

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي