|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 4 / 21
تنفر الأديان من كلمة تغيير، وتمقت حمولتها من المعاني والدلالات. ولا تطيق كل ما من شأنه تثبيط حضور الموروث الماضوي في الأذهان، أو اخضاعه للمراجعة النقدية بشروط الحاضر. وعندما يقترن اسم الدين بياء النسبة في لفظة اسلامي مثلًا، يحضر الانتماء للمقدس مزهوًّا برمزية هوياتية لا يُعلى عليها وبدفق معنوي لا يُدانى. ولا يمكن التفكير، حتى مجرد التفكير بالتخلي عن كلمة الاسلامي في التسمية، إلا لأمر ضاغط قد تترتب عليه عواقب غير محمودة.
في هذا السياق، يستدعي التساؤل قرار حزب جبهة العمل الاسلامي بتغيير اسمه إلى حزب الأمة، بعد نيِّفٍ وثلاثة عقود من العمل تحت الاسم الأول.
بخصوص الأسباب المعلنة، صدر طلب التغيير عن الهيئة المستقلة للإنتخاب منذ حزيران الفارط. والحُجَّة، مخالفة كلمة "اسلامي" للمادة (5/ب) في قانون الأحزاب لسنة 2022، وعلى وجه التحديد النص على حظر تأسيس الأحزاب على أسس دينية أو طائفية.
الحزب من جهته، قال إن الخطوة "انطلاقة نحو آفاق أرحب، دون المساس بجوهر مرجعيته الاسلامية".
اعلام الحكومة هلَّلَ للخطوة، ورحب بها. وتبارت الأقلام في اظهار محاسنها، والاشادة بما ترى فيها إعادة توجيه البوصلة في إطار القيم الوطنية. وهناك من وجد فيها دليلًا على قراءة عقلانية للواقع، ومواكبة للتحولات الاقليمية والدولية.
لسنا ندري مدى قناعة الحزب في تبريره للقرار، لكن من الواضح أن للضرورات أحكامًا، تشمل في حالات معينة إباحة المحظورات. ولا ندري كيف تأتى للهيئة المستقلة للانتخاب الانتظار ثلاث سنوات بأيامها ولياليها، لم يلتقط بصرها الصَّقري خلالها المخالفة التي بناء عليها طلبت من الحزب تغيير التسمية؟!
باختصار، نرى الأمرَ من ألفه إلى يائه أبعد من كل ما تدثر به من مبررات، بل وأعمق. نقول ذلك وفي الخلفية "خلية الصواريخ" الضالع فيها ستة عشر متهمًا، والمعلن عنها في نيسان من العام الفارط. القصة معروفة، ولا تحتاج إلى أكثر من استحضار يستدعيه السياق.
الذي نراه أن البداية الحاسمة بهذا الاتجاه، كانت اعلان ادارة الابستيني دونالد ترامب فروع الأخوان المسلمين في كل من مصر والأردن ولبنان تنظيمات ارهابية. اختيار هذه الفروع بالذات دون غيرها، يقول الكثير عن الأهداف والمطلوب تنفيذه. ولا تملك حكومات الدول الشقيقة الثلاث، أن تقول "لا" للبيت الأبيض طبعًا. وكل ما بوسعها فعله، التماس تلطيف مخرجات التنفيذ وتغليفها بما يُسهِّل تمريرها. الأردن بالذات شديد الحساسية في كل ما يتعلق بالتوازنات الداخلية، فيلجأ إلى وزن أي أمر أو قرار يخصها بميزان الذهب.
مقصود القول، لوضع الأمور في نصابها الصحيح باجتهادنا، القرار استجابة لضغوط خارجية معروفة على ما أنف بيانه. وهو ما تتفادى الجهات المعنية مباشرة الجهر به، بمن في ذلك الحزب المعني، الذي عُرِف على مدار أربعة وثلاثين عامًا بإسم حزب جبهة العمل الاسلامي وأصبح منذ بضعة أيام حزب الأمة.
قرار الادارة الأميركية الابستينية المومأ اليه فوق، صدر محمولًا على حسابات صهيونية خاصة بالمنطقة بعد السابع من أكتوبر 2023.
لكن هناك ما هو أعمق وأشمل، ويخص ثقافتنا وأنماط التفكير السائدة في مجتمعاتنا. فقد نكون الأمة الوحيدة على وجه الأرض، التي لم تصل بعد إلى وضع حدود فاصلة بين الديني والدنيوي في حياتها. وما يزال وعينا الجمعي بعيدًا عن الفهم العلمي للدين، الشرط الرئيس لبناء دول مدنية حديثة كما تعلمنا تجارب الأمم القوية المتقدمة في الديمقراطية. ودليلنا على ذلك أننا أكثر الأمم توظيفًا للمقدس في خدمة المُدَنَّس، أي السياسة والمصالح الدنيوية. الأنظمة توظف الدين، للتعويض عن شرعية شعبية معدومة ولتبرير سياساتها من خلال فقهاء السلطان، الجاهزون دائمًا للي أذرع النصوص الدينية والتعسف في تفسيرها بالاتجاه المطلوب. قوى المعارضة تفعل الشيء ذاته، لكسب التأييد والاستثمار في العواطف الدينية في مجتمعات ترتفع فيها نسب التدين إلى مستويات غير مسبوقة حتى في أزمنة خلافة الراشدين. وبمقدورنا ادراج تغيير اسم حزب جبهة العمل الاسلامي إلى حزب الأمة أيضًا، في سياق تسييس الدين. وكأن المقصود تذكير الحزب ومؤيديه وحاضنته الشعبية بأنه مهما بلغ حضوركم في الشارع، وبغض النظر عن عدد ما تفوزون به من مقاعد نيابية، هنا ثمة سُلطة رسمية هي صاحبة الحق الحصري باحتكار الوصاية على الدين وتفسيره.
ما الحل؟
قبل الاجابة، نرى من الأهمية بمكان التذكير بأن أي قرار يخص أمرًا ذا بُعدٍ ديني يُتَّخَذ على طريقة حرق المراحل أو بضغوط خارجية، فإن نتائجه غالبًا ما تكون سلبية ولو بعد حين.
بالعودة إلى سؤال ما الحل، فلا نراه من جهتنا إلا بالفهم العلمي للدين. ينهض هذا الفهم على قاعدة التعامل مع الدين كشأن معتقدي تعبدي خاص، لا علاقة له بالسياسة ويجب اخراجه من ملعبها نهائيًّا، ولا علاقة له بشؤون الاجتماع الانساني. الدين مكانه القلب والوجدان على مستوى الانسان، ودور العبادة على صعيد المكان. هذا ما يتعلمه من يروم التعليم، ويتغيَّا النهوض والتقدم، وتحقيق الاستقرار المجتمعي، من تجارب الأمم القوية المتقدمة ذات التجارب السياسية العريقة المحمولة على نضج فكري متأصل.
مستصفى القول في الختام، لن نتقدم إلا بما تقدم به غيرنا.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |