|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 4 / 19
يسلط علي شريعتي الضوء على بعض أدوات الاستحمار وأساليبه وتجلياتها، بدءًا بالزُّهد، وعلى وجه الدِّقَّة معناه الآمر للإنسان "بالتخلي عن حقوقه الاجتماعية، وحاجياته الطبقية، وأن يقطع حبل الأمل منها". من هذه الزاوية، يرى شريعتي الزُّهدَ أحد أنواع الاستحمار. الزهد بالمعنى المشار اليه قبل قليل يسلب من الانسان الدراية النفسية، ويسلب من الفرد حقَّه في التمتع كإنسان بمواهبه وبالنِّعَمِ المتوفرة في الحياة، وليس من حق أيٍّ كان منعه من التنعم بها. الزهد بايجاز وفق هذا التحديد يدعو الناس إلى التخلي عن حقوقهم لصالح الطمع والجشع، وبالتالي يُعبِّد طريق الظلم بل ويشجعه.
بالانتقال إلى التجهيل والإلهاء، يُقسِّم شريعتي الاستحمار إلى نوعين، استحمار مباشر واستحمار غير مباشر. الأول، يراه في تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة، أو سوق الأذهان إلى الضلال والانحراف.
أما غير المباشر، فهو الهاء الأذهان بالحقوق الجزئية البسيطة اللافورية، لتنشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة الفورية.
أسلوب استحمار كل فرد يرتبط بميوله، فإذا كان المُراد استحماره ذا قامة مناسبة، يمكن تشجيعه للتوجه إلى الرياضة واغراقه بتفاصيل عن محاسنها ومنافعها. فيغرق هو من جهته بخيالات وأمنيات، كالشهرة العالمية والمباريات والألعاب الأولمبية. واذا كان لديه شغف بالدراسة يُحفَّز لمواصلتها والحصول على شهادات عليا، تفتح له أبواب الحظ والامتيازات.
وما ينطبق على الأفراد ينسحب على المجتمعات أيضًا، حيث يرتبط استحمار كل مجتمع بماهيته ونمط ثقافته ومعتقداته أو ما يُعرف في علم الأنثروبولوجيا بروح الشعوب أو طابعها العام المميز لها عن غيرها. ويستحضر شريعتي أمثلة مما فعل الاستعمار مع معظم الدول النامية، حيث الاستحمار آلية مركزية للاستعمار.
في الحالتين، أي استحمار الأفراد أو الشعوب، ثمة عناوين تحمل دلالات سامقة في الوجود الانساني، مثل الدين والرياضة والفن والعلم والخير والشر، يمكن توظيفها هي أيضًا للاستحمار.
هنا، تجدر الاشارة إلى أن معيار الأشياء والمفاهيم عند شريعتي، هو مؤداها وفعاليتها الاجتماعية. وعليه، يرفض مقولة "الشيء لذاته" في كل مجالات الحياة. فقيمة الشيء بقدر عطائه وفعاليته. لذا، تنبَّه إلى أن الاستعمار الحديث يشيع مقولات "العلم من أجل العلم" و "الفن من أجل الفن"، لتفريغها من مضامينها الحضارية وفعاليتها. يقول شريعتي في السياق: "يظن العالِمُ أنه ذو نباهة بالنسبة إلى نفسه ومجتمعه وزمانه. لكن هذا وهم، لأنه "عالِمٌ" لا غير، والعلم من أجل العلم أداة انحراف وضلال عن النباهتين الانسانية والاجتماعية". وهو عين ما عبَّرَ عنه الفيلسوف الكبير هايدجر بقوله:"إنما العِلم والحضارة ثمرة ظروف متراكمة عديدة أصبح الانسان فيها غريبًا عن نفسه، أي أنه راح ضحية التحقيق والعلم والفن والحضارة".
ومن أدوات الاستحمار "القدرة المادية والبدنية". على صعيد الأولى، عندما ينجح الشخص بتجميع ثروة كبيرة، يتولد عنده على أرضية امتلاكها تضخم "الأنا" التي استطاعت تحقيق ذلك. ومع الزمن يتحول تضخم "الأنا" إلى انحراف نفسي يجعل المادة والثروة مكان "النفس"، وبالتالي تُنفى الشخصية الواقعية. وفي حال الوصول الى منصب يترتب عليه الشعور بالقدرة، وقد تطغى الأخيرة على النفس، ويخسر الشخص النباهة الشخصية. شيء من هذا يشعر به بعض ذوي القدرة البدنية، حيث يتخلق على أرضيتها اعتقاد بأنها شيء من قدراتهم الانسانية، لكن حقيقة الأمر غير هذا.
يقول شريعتي:"بعض الناس قد تكون لهم قوة جسدية كقوة الفيل والجَمَل، أما من الناحية الانسانية فقد لا تكون قوته حتى بمستوى قوة العصفور". مقصود القول، القدرة الجسدية قد تضر بالنباهة والوعي.
في هذا السياق أيضًا يقول شريعتي:"كلما بدنت وسمنت فإنك لن تكون أضخم من البقرة، ولو فرضنا ذلك، فعندئذٍ يحلبونك. وكلما ازددت قوة فإنك لن تكون أقوى من الحمار. ولو فرضنا ذلك، فحينئذٍ يحملونك أسفارًا. وكلما ازددت سرعة في السير والركض فانك لن تكون أسرع من الفرس. ولو فرضنا ذلك، فحينئذٍ يركبونك".
ويمكن أن تكون منتجات الحضارة والتقدم أدوات استحمار أيضًا. ويضرب شريعتي مثالًا على مقصوده بذلك، تفاخر راعي إبل بشراء سيارة أميركية فارهة ثمنها في الدولة الصانعة ثُمن نظيره في بلده. وما دراه أن تفاخره وتباهيه ليس أكثر من نهم استهلاكي.
هنا، يحيلنا شريعتي إلى العوالم الحضارية الثلاثة بمنظور مالك بن نبي، وهي عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء. عالم الأفكار منطلق الابداع والابتكار وأساسهما، به يمكن للأشخاص اختراع الأشياء وابتكارها. فالمتقدمون تقدموا ويتقدمون بالأفكار، والمفتقرون للأفكار يستهلكون ما يبدعه أصحابها.
ويمكن توظيف الحرية الفردية كأداة تخدير كبرى، لصرف الاهتمام عن الحرية الاجتماعية، حيث النباهة الاجتماعية قضية ذات أهمية كبرى. ليس كل من ينادي بالحرية الفردية ويدعو لها يفعل ذلك عن قناعة، بل ربما من أجل التمويه وتكريس الغفلة عن النباهة الاجتماعية.
ويبين شريعتي فكرته الرئيسة بهذا الخصوص في تشبيه بليغ، إذ يقول:"قد يرى الانسان نفسه حرًّا من الناحية الفردية، في غذائه وشهواته، كطير في قفص وُضع في صالة مغلقة تمامًا، ثم فُتِحَ باب القفص. الشعور المترتب على ذلك بالحرية كاذب. فالأسير الذي يعلم أنه مأسور يحاول أن يُطلق نفسه، ويتحرر من الأسر. بينما الذي لا يعلم انه أسير، ويشعر بالحرية، فشعوره وهم وكذب، ومع ذلك يشكر الله ويحمده على تلك الحرية المزيفة".
داخل الثاني تمكنت قيود خداع الذات، إلى حد القابلية للاستحمار بكل
سرور !
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |