|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 4 / 17
قدم الفيتناميون ثلاثة ملايين انسان وفق أقل التقديرات، خلال عشرين عامًا قارعوا فيها المتغطرس الأميركي. أما هذا الأخير، فخسر ثمانية وخمسين ألفًا من جنوده، أدوات جرائمه وبطشه وعدوانه. لكن الكلمة الأخيرة كانت للفيتناميين، فاندحر الأميركي وما يزال وعيه الجمعي يعاني من عُقدة هزيمته المُذِلَّة في فيتنام حتى يوم الناس هذا.
لم يخرج من بين الفيتناميين، خلال عقدي الصراع الضروس مع المعتدي الأميركي من يردد، لتبرير "تكويعه" وانهزامه "هاي أميركا، اللي ما بيخاف منها ما يخاف ربنا...وهل يمكن مناطحة الثور الأميركي الهائج؟".
هربت أميركا من فيتنام مدحورة مهزومة، وتركت عملاءها وأذنابها لمصيرهم على جَري عادتها.
ومن فيتنام إلى أفغانستان، حيث دخلت الثانية حالة اللادولة منذ عقود، لكن يبدو أن تضاريسها الجبلية القاسية قد زرعت الكثير من الصلابة وروح التحدي والمقاومة في نفوس أهلها.
لم يذعن الأفغان رغم فقرهم وبؤس أحوال الكثيرين منهم، فاستمروا باستنزاف المتغطرس الأميركي، الذي اصطدم بالحقيقة غير السارة لذاكرة ما تزال تحتفظ بسجل من الاخفاق لا يتوقف عند فيتنام فحسب. المهم، تمكن الكف الأفغاني من "طعج" المخرز الأميركي. واضطر جنود اليانكي إلى عطب ما أسعفهم الوقت لعطبه من آلياتهم، كي لا يفيد منها الأفغان قبل الهروب الكبير من هناك.
القيادة الأفغانية بالاسم، الديكورية أميركية التصميم والنشأة بالفعل، أمَّنَت لنفسها ملاذات خارجية مع ما استطاعت تحميله من أموال السحت. أما الأتباع الصِّغار، فقد شاهدهم العالم كله كيف حاولوا يائسين التعلق بطائرة نقل أميركية عسكرية للهروب من بلادهم !
رغم ذلك، لم تظهر "زعامة" أفغانية تصدح اذاعتها بالآية الكريمة "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" هكذا بإطلاقها، منتزعة من سياقها التاريخي وأسباب النزول، لتبرير توقيع اتفاقيات تبعية مُذِلَّة مع راعي البقر الأميركي.
ومن أفغانستان إلى جارتها ايران، وقد واجهت عدوانين صهوأميركيَّين خلال أقل من عام. تكبدت ايران خسائر بمئات المليارات من الدولارات، وتحملت اغتيال عدد من قيادات الصف الأول. ومع ذلك، لم نسمع أن مسؤولًا حاليًّا أو سابقًا عزف على لحن "دي أميركا..."، بل ما يراه العالم كله هو العكس. صمد الايرانيون وما يزالون، وعاد ترامب لمفاوضتهم. ونعتقد أن من التسطيح والابتذال، الاعتقاد بأن أميركا تعود للتفاوض مع خصم كَسَرت إرادته. التفاوض بالقاموس السياسي الأميركي غير موجود أصلًا، إلا في حالة الاخفاق بتحقيق الأهداف أو اليأس من امكانية فرض اليانكي ارادته بالقوة. العقلية الأميركية مبنية على أساس تقديس القوة، ومن أبرز محدداتها عدم الايمان بقوة الحق بل بحق القوة.
لم يجد البرتقالي مدفوعًا بالابتزاز الصهيوني بفضائحه في جزيرة "جيفري" غير محاصرة مضيق هرمز، وهو خيار أخفق قبل أن يبدأ ويصعب تصور استمراره. وقد قابله الايرانيون ببرود، لأن الخطوة في الأصل دليل انعدام خيارات بقدر انطوائها على حماقة تضع أميركا في مواجهة مع العالم كله. فالمضيق كما هو معلوم، أهم شريان ملاحة دولي وأي حصار يُفرض عليه حتى لو كان بالاسم نتيجته المؤكدة رفع أسعار الطاقة. مقصود القول، الخطوة الغبية وضعت الادارة الأميركية الابستينية في مواجهة العالم شعوبًا وحكومات.
ويتردد بالمناسبة أن أميركا عرضت على ايران، في الأمس واليوم، تتويجها "ملك المنطقة" ولكن بشروط لا تخفى على اللبيب!
أول هذه الشروط، التخلي عن سياساتها تجاه القضية الفلسطينية، وبالذات دعم حركات المقاومة العربية. وثانيها، نسيان تخصيب اليورانيوم. ورابعها، إقامة "سلام عادل وشامل ودافيء" مع الكيان الشاذ اللقيط على طريقة بعض العرب. ولا تكتمل شروط "التحالف والصداقة" مع الأميركي بالنسبة للدول النفطية خاصة، إلا اذا أشبعت جشعه من النفط والغاز ووضعت مخزوناتها منهما تحت تصرفه.
ومع ذلك كله، لم تنقل لنا وسائل الاعلام وما أكثرها في زمننا، رأيًا من الداخل الايراني يدعو إلى الاستسلام لأميركا والاذعان لمطالبها بمختلف ذرائع المهزوم ومبررات من قرر أن يكون تابعًا مُهانًا !
والآن وصلنا بيت القصيد، أي ما يتعلق بنا نحن العرب محكومين وحكامًا في سياق الصَّدَد.
جمع الأنجلوساكسون شرذمة من شذاذ الآفاق في فلسطين، كقاعدة عسكرية متقدمة لهم اسمها "اسرائيل". هذه الشرذمة تحتل فلسطين منذ عقود، وتتوسع في الأراضي العربية المجاورة لفلسطين، وتهدد باقامة الوهم التوراتي المعروف باسم "اسرائيل الكبرى". تعتدي على العرب كل يوم، فتقتل وتدمر وتهدد بالمزيد. وأخيرًا، بلغ الغرور والصلف بمجرم الحرب النتن ياهو حد رفع الشعار المهين، "السلام المستدام بالقوة"!
ورغم ما أقدم عليه العدو ويواصل مقارفته من حروب ابادة في غزة، وجرائم قتل بالجملة في لبنان، والعدوان على اليمن، وقصف الدَّوحة، لم يجرؤ نظام عربي من المُطبِّعين على سحب سفيره من تل أبيب أو حتى التلويح بذلك. ليس هذا فحسب، بل هناك من يتهافت على العدو، لتوقيع اتفاقيات اذعان معه باسم "السلام".
لا يمكن للكيان العدو ارتكاب جرائمه ومواصلة عدوانه، من دون الدعم الأميركي المفتوح بالمال والسلاح وضمان عدم المساءلة.
ومع ذلك، تُصر الأنظمة العربية على وضع بيضها في سلَّة أميركا واستمرأ بعضها الانصياع لاملاءاتها. أضف إلى ذلك، أميركا تخوض حروبها في المنطقة بأموال العرب، ومن أراضيهم، وفي سماواتهم.
معادلة تضع العقل السوي السليم في أكثر من الحيرة، ويتبادر للذهن أنها تستدعي مقاربات علم النفس التحليلي أكثر من قواعد السياسة وأصول العلاقات بين الأمم.
أين الخلل، وهل العرب أقل من الذين هزموا أميركا وقاوموها وصمدوا أمام جبروتها؟
كاتب هذه السطور متأكد أن العرب ليسوا أقل من أحد، لا في الامكانات ولا في الرجال الشرفاء الوطنيين الأنقياء. لكن هؤلاء الرجال مهمشون، وممنوع عليهم الاقتراب، مجرد الاقتراب، من دوائر اتخاذ القرار.
مقصود القول بايجاز، الخلل في الأنظمة الحاكمة وفي أنماط التفكير السائدة.
بيان ذلك أن الأنظمة تفتقر إلى الشرعية الشعبية بمعايير العصر، حيث لا شرعية إلا لصناديق الاقتراع. ولا خيار أمامها لتضمن بقاءها غير حماية الأميركي ونيل رضاه، وهذا غير ممكن من دون علاقة "مميزة" في السر والعلن مع الكيان الشاذ اللقيط.
الأنظمة وفيَّة لهزيمتها ومتشبثة بأسبابها، لضمان استمرارها وتوريث الحكم. هذا النوع من "الوفاء" ليس بلا شروط، أهمها تزييف وعي الشعوب وتجهيلها قدر المستطاع ناهيك بالافقار والتجويع. ولا تتورع الانظمة عن توظيف الدين من خلال فقهاء السلاطين، لتحقيق الأباطيل المومأ اليها قبل قليل.
في فِقراتنا الخاتمة، نرى مكمن داء العرب وأسباب ضعفهم. وأنت صديقنا القاريء، ما رأيك؟
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |