6. الزمن الثوري: لحظة تُفتح وتُغلق

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 4 / 16

كل انتفاضة تُطرح فيها نفس المعضلة: لماذا تنتج الأزمة القوة الاجتماعية بالسرعة نفسها التي يعجز بها الفاعل عن تحويلها إلى سلطة؟ بعد أن حللنا الجذور الاقتصادية والبنية الطبقية والإضراب السياسي والدولة كجهاز طبقي، نصل الآن إلى العنصر الأكثر إهمالاً في الكتابة عن الثورات: الزمن. ليس الزمن كسياق أو خلفية، بل الزمن كشرط إمكان. القوة تظهر أسرع مما تُبنى السلطة، والنظام أسرع في إعادة التنظيم من الجماهير في بناء البديل. نافذة الحسم التي فُتحت في 26 مارس 1985 لم تبق مفتوحة إلى الأبد؛ بحلول 6 أبريل، كانت قد أغلقت. فهم هذه الآلية الزمنية هو شرط لفهم لماذا تكرر الإخفاق نفسه في أبريل 1985 ثم في ديسمبر 2018.

الزمن الرأسمالي هو زمن كمي، قابل للقياس، زمن الساعات والرواتب والدورات الانتخابية والإنتاج؛ ماركس أسماه "زمن الاختزال"، حيث تختزل كل النوعيات إلى كميات قابلة للتبادل. في هذا الزمن، يعتاد الإنسان على الانتظار، على الصبر، على الإيمان بأن التغيير التدريجي هو القانون الطبيعي للأشياء. الثورة تكسر هذا الزمن. حين توقف عمال السكة الحديد القطارات في مارس 1985، لم يوقفوا قطارات فقط، بل أوقفوا زمن النظام نفسه. فجأة، لم تعد الساعات تعني شيئاً. ما كان يستغرق أسابيع يحدث في أيام، وما كان يبدو مستحيلاً يصبح ممكناً في لحظة. هذا هو الكايروس، اللحظة النوعية التي تقطع استمرارية الكرونوس، اللحظة التي يتحول فيها زمن الانتظار إلى زمن الفعل.

في 26 مارس 1985، اندلعت مظاهرات طلابية تلقائية في الخرطوم احتجاجاً على ارتفاع أسعار السلع الأساسية. لم تكن هذه بداية الأزمة – فالمقال الأول أظهر أن أزمة التراكم كانت قد بلغت ذروتها قبل أشهر – لكنها كانت بداية تحول نوعي. فخلال 48 ساعة فقط، تحولت المظاهرات الطلابية إلى احتجاجات شعبية شملت طلاب معهد الكليات التكنولوجية، والشماسة، وعمال المنطقة الصناعية، والعاطلين عن العمل. هذه السرعة لم تكن مجرد تصاعد كمي، بل كانت قفزة نوعية: من سخط معيشي إلى وعي سياسي، ومن مطلب بزيادة أجور إلى شعار إسقاط النظام. في 28 مارس، أعلنت نقابة أطباء مستشفيات الخرطوم الإضراب. في الأيام التالية، انضمت أكثر من ثلاثين نقابة إلى دعوة العصيان المدني. في 3 أبريل، خرجت مسيرة هائلة من القوى النقابية واكتظ شارع القصر بعشرات الآلاف. كانت القوة الاجتماعية في ذروتها.

لكن أين كانت المجالس العمالية التي تدير المصانع المتوقفة؟ أين كانت لجان الأحياء التي تنظم توزيع الغذاء والدواء؟ أين كانت المحاكم الشعبية التي تحل النزاعات بدلاً من المحاكم الحكومية المعطلة؟ لم تكن موجودة. القوة الاجتماعية كانت هائلة، لكنها بقيت حبيسة بُعد التعطيل: قوة كاملة في شل النظام، صفر في بناء السلطة. هذا هو الفصل الذي تتحدث عنه هذه السلسلة: القدرة على إيقاف الماكينة لا تعني القدرة على إدارتها. والزمن هو ميدان هذا الفصل. فالجماهير احتاجت إلى أيام لبناء قوتها التعطيلية، لكنها كانت بحاجة إلى أشهر وسنوات من البناء التنظيمي المسبق لتمتلك سلطة بديلة. وحيث لم يكن هناك بناء مسبق – لا حزب ثوري، لا برنامج انتقالي، لا سلطة مزدوجة – فإن النافذة الزمنية التي فتحت بسرعة أغلقت بنفس السرعة.

الزمن ليس مجرد الإطار الذي يجري فيه الصراع الطبقي، بل هو أحد موارد هذا الصراع؛ توزيعه غير متكافئ طبقياً تماماً كتوزيع رأس المال. فكما أن رأس المال يمتلك سرعة الحركة عبر الحدود، فإن جهاز الدولة يمتلك سرعة القرار المركزي. في 6 أبريل 1985، بينما كان نميري في زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، تحرك وزير الدفاع الفريق سوار الذهب. لم يحتج إلى أيام أو ساعات؛ احتاج إلى دقائق. الانقلاب العسكري كان جاهزاً، لأن البنية العسكرية لم تتوقف يوماً عن العمل. في صباح 6 أبريل، أعلن المجلس العسكري الانتقالي حل الاتحاد الاشتراكي وتعليق الدستور. الشارع كان لا يزال يحتفل بسقوط نميري، لكن القرار كان قد خرج من يده. النظام لم يحتج إلى بناء شيء؛ احتاج فقط إلى إعادة تموضع. والجماهير احتاجت إلى بناء كل شيء من الصفر. هذا التفاوت الزمني ليس عائقاً تقنياً، بل هو تناقض بنيوي داخل أي حركة جماهيرية في الأطراف الرأسمالية.

في 6 أبريل، بعد ساعات من الانقلاب، بدأ الزمن الثوري في التلاشي. الجماهير توقفت عن الضغط، وبدأت تنتظر الانتخابات. انتظار الانتخابات هو العودة إلى زمن الكرونوس، زمن الصبر والترقب والثقة في أن "الصناديق" ستفعل ما فشل الشارع في فعله. هذا الانتظار هو القبر الذي تدفن فيه الانتفاضات. فكل يوم يمر دون سلطة مزدوجة هو يوم يقترب فيه النظام من استعادة السيطرة. في غضون أسابيع، تبددت طاقة الانتفاضة. عاد العمال إلى المصانع، وعاد الموظفون إلى مكاتبهم، وعادت الحياة إلى طبيعتها. لكن ما هي هذه "الطبيعة" التي عادت إليها الحياة؟ هي نفس علاقات الإنتاج الطفيلية، ونفس التبعية لصندوق النقد، ونفس هشاشة الدولة. فقط الوجه الذي يحكم تغير. بعد عام، أجريت انتخابات أعادت المدنيين إلى الحكم، لكن النظام الاقتصادي بقي، فجاء انقلاب 1989 ليؤكد أن البنية لم تُمس.

فكيف نكسر هذا التفاوت الزمني؟ هذا السؤال هو الذي تنتقل إليه السلسلة الآن. فقد أظهرنا كيف تُنتج الأزمة القوة، وكيف يُدار الفصل، وكيف الزمن يفتح ويغلق. لكن لماذا يعجز الفاعل نفسه عن ملء هذه النافذة؟ لماذا يعيد إنتاج الزمن كعائق ذاتي بدلاً من استخدامه كسلاح؟ هذا هو موضوع المجموعة الثالثة من مقالاتنا، حيث نناقش عجز الردم: من الشعارات الغامضة إلى أزمة التنظيم إلى نقد اليسار العاجز عن تحويل الوعي إلى قوة.

"الشيء الأكثر ثورية الذي يمكن للمرء القيام به هو دائماً أن يعلن بصوت عالٍ ما يحدث."
روزا لوكسمبورغ.

النضال مستمر،،

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن