التَّعْفيط

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 4 / 15

كان لهذا التعبير وقعه الخاص على ألسنة آبائنا وأجدادنا، وكأنه يحيل الذهن إلى المعنى المقصود دون الاستعانة بقواميس الأبجدية. لطالما سمعت والدي رحمه الله يقول بدارجتنا: "هَاْظَا عَلَامُهْ يْعَفِّط"ْ. والأصل من الفعل الثلاثي عَفَط، بمعنى صوت نثير الشاة، والنثير هنا يقابل العَطس عند الانسان. ومصدر الفعل عَفَط، عَفْط وعَفَطان وعفيط. واسم الفاعل عافط، وصيغة المبالغة منه عَفَّاط.
في دارجتنا التعفيط وصف للتصرف بغضب، وبالتهديد والوعيد، دون أن يكون العافط أو العفَّاط قادرًا على تنفيذ ما يهدد به ويتوعد. وبذلك، فالتعفيط بهذا المعني يُحيل إلى المثل المعروف "زوبعة في فنجان". هذا الأخير، يلتقي مع التعفيط في المبالغة بردود الفعل تجاه أمور بسيطة، وتحويل النقاش إلى صراخ وشِجار.
ذات زمن بعيد، ظننت أن التعفيط لفظة خاصة باللهجة الأردنية، المتداولة في الأرياف بالذات، لكن تبين لاحقًا خطأ هذا الاعتقاد. فالتعفيط كلمة تُستخدم أيضًا في العربية الفصيحة، وما يلفت الانتباه أكثر أن لها حضورها في اللهجات العربية باللفظ ذاته.
ففي اللهجة اللبنانية، التعفيط يعني التكسير والتجعيد، أو احداث طيَّات غير مرغوبة في الملابس والأوراق. ويُقال "عَفَطَ الثوب"، أي جَعَلَه مجعدًا ومبهدلًا. بهذه المعاني، التعفيط في دارجة أشقائنا اللبنانيين يحيل إلى الجَعْلَكَة. وللتعفيط أيضًا استخدامات في سياقات مجازية، في بلاد الأرز، منها الخربطة أو سوء التصرف.
في اللهجة التونسية، يستخدم التعفيط غالبًا بمعنى يعف القلم عن ذِكره بلفظه، احترامًا لذائقة متابعينا الأعزاء. ولازالة اللَّبْس كي لا يستبد الفضول بالقارئ، ومن قبيل تيسير التقاط المعنى المقصود، نحيل إلى الريح الخارجة من الجسد مع صوت. ويستخدم أشقاؤنا التوانسة التعفيط بالمعنى ذاته، لوصف توافه الكلم، فيقولون فلان يعفط من فمه.
في السودان الشقيق يحيل الفعل المضارع يعفط إلى السب والنباح، ويعني أيضًا الشِّجار باللسان.
التعفيط إذن، يستحضر أكثر من مَثَلٍ في دارجتنا، منها "كل إناء بما فيه ينضح"، و "اجى بدو يكحلها عماها". الأول واضح، ولا نراه بحاجة لمزيد بيان. أما الثاني، فيُضرب بمن يحاول إصلاح أمر ما، فيتسبب بإفساده وجعله أسوأ. وبه توصف التدخلات العبثية المُخفِقة، وبشكل خاص خلال النقاشات، التي تزيد الأمور تعقيدًا وتكشف ضحالة أحد المشاركين في الحوار.
تأسيسًا على ما تقدم، التعفيط باللهجة الأردنية واللهجات العربية، يحيل إلى معانٍ عدة سلبية كلها وبعضها مُخْزٍ ومشين، أولها أنه سلاح المفلس العاجز عن تنفيذ ما يهدد به. وثانيها، الصراخ والشِّجار خلال النقاشات، ويقومان دليلًا فاقعًا على الافلاس السياسي والفقر المعرفي والتَّصَحُّر الثقافي. وثالثها، فعل "مجعلك" يتسبب ببهدلة الفاعل. ورابعها، كلام بمنزلة صوت الريح الخارجة من الجسد أجَلَّكم الله. وصدقت العرب عندما قالت "كل اناء بما فيه ينضح".
وبمقدورنا اضافة معنى خامس بناء على ما أنف بيانه، مفاده أن التعفيط خلال النقاشات يقوم دليلًا على اصابة العفَّاط بعمى الألوان. فهو يقدم نفسه على أنه مُدافع شرس عن الوطن، وهو في الحقيقة يتماهى تمامًا في المواقف الرسمية. وبذلك، يتحول التعفيط إلى نوع من البزنس. فكأن لسان حال العافط يُذكِّر به، كي لا يطويه النسيان لعل وعسى يعود لموقع سبق أن شغله أو يظفر بمنصب جديد أو على الأقل يخرج بشرهة ما.
السياسات الرسمية شيء والدفاع عن الوطن شيء آخر، ومُخْتلف بشأن العلاقة بين هذا وتلك. كاتب هذه السطور، يرى أن مصلحة الوطن الأردني يستحيل أن تكون مع الصهيوأميركي. فالكيان عدو يتربص بالأردن، ويعلن ذلك على رؤوس الأشهاد، ولا أظننا بحاجة إلى مزيد بيان بهذا الخصوص. والأميركي داعم للكيان في مطلق الأحوال، وبشكل أعمى.
في الوقت الراهن، يرى الصهيوأميركي أن ليس في صالحه افتعال مشكلات للأردن، ولكن لا أحد يضمن كيف يفكر في وقت لاحق، وربما في وقت أقرب مما نتصور. في المجمل، إنه غير مؤتمن ولا يمكن أن يكون مؤتمنًا.
ودليلنا على تماهي بعض العفَّاطين على الشاشات بالسياسات الرسمية، أن تعفيطهم مُبرمج باتجاهات محددة لا يعرف غيرها وكأنه موجَّه بريموت كنترول. فهل يمتلك العافِطون العَفَّاطون جرأة التعفيط في وجوه أولئك الذين لا يخفون نواياهم بالغاء وجود الوطن الأردني، بشموله في الخرافة التوراتية المعروفة باسم "اسرائيل الكبرى"؟!
الجواب، لا النافية بالتأكيد.
ولعل من أكثر تبديات التعفيط على الشاشات سماجة وثقالة دم، الفُجُور في الخصومة على أرضية التماهي بالمواقف الرسمية وباسم الانتماء للوطن. ونرى أن ما حصل في العديد من البلدان العربية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، قدم أدلة قاطعة على أن هذا الضَّرْب من الانتماء سريع التَّبَخُّر في أوقات الجد.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن