5. الدولة ليست محايدة: الجيش والأمن كجهاز طبقي

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 4 / 14

ليس صحيحاً أن الجيش “انحاز للشعب” في 6 أبريل 1985. هذه الرواية لا تصمد أمام التحليل الطبقي. ما حدث هو أن جهاز الدولة – الذي كان نميري قد أدار به البلاد لأكثر من خمسة عشر عاماً – قرر التضحية برأس الحكم لإنقاذ جسد النظام. الفريق سوار الذهب، وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، لم يخرج إلى الشارع استجابة لنداء الجماهير؛ بل أدار أزمة من داخل غرفة العمليات. حين توقفت القطارات والمصانع والمستشفيات، وحين أصبحت العاصمة تحت سيطرة المتظاهرين فعلياً، أدركت المؤسسة العسكرية أن استمرار نميري يهدد استقرار الدولة نفسها. فكانت التضحية به ثمناً لامتصاص الموجة الثورية، لا خدمة لها. لفهم هذه الآلية، يجب أن ننطلق من نظرية مادية للدولة: الدولة ليست أداة محايدة، وليست حكماً بين الطبقات، بل هي علاقة قوة متجسدة، تجمع بين القمع والإغراء، بين العنف والهيمنة، لحماية علاقات الإنتاج القائمة.

تفيدنا الماركسية هنا بتمييز حاسم بين “المجتمع السياسي” (أجهزة القمع: الجيش، الشرطة، المحاكم) و”المجتمع المدني” (أجهزة الهيمنة: المدارس، الإعلام، الكنائس، النقابات). في الدولة الرأسمالية، لا تحكم الطبقة الحاكمة بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى إنتاج “الموافقة”. المواطن العادي لا يطيع لأنه يخاف من السجن فقط، بل لأنه يعتقد – عبر التربية والإعلام والدين – أن هذا النظام هو الوحيد الممكن. الجيش هو ذراع القمع التي تظهر فقط حين تنهار الموافقة. وفي أبريل 1985، انهارت الموافقة تماماً. الجماهير لم تعد تؤمن بشرعية نميري، ولا بأجهزة دولته، ولا بخطابه. فلم يبق أمام الطبقة الحاكمة سوى ذراعها القمعي. لكن الجيش، بوصفه جهازاً طبقيًا، لا يحمي شخص الحاكم بل يحمي النظام ككل.

بولانتزاس يذهب أبعد من ذلك، منتقداً فكرة أن الدولة مجرد “أداة” بيد الطبقة الحاكمة. الدولة، بالنسبة له، هي “تكثيف مادي لعلاقات القوى بين الطبقات والطبقات الفرعية”. ليست أداة سلبية، بل هي ميدان صراع داخلي. داخل الجيش، داخل الحكومة، داخل البيروقراطية، هناك تناقضات. في حالة السودان 1985، لم يكن الجيش كتلة واحدة. كانت هناك أجنحة مؤيدة لنميري، وأخرى بدأت ترى أن الإصلاح – أي التضحية بنميري – هو الحل. هذا الصراع الداخلي في جهاز الدولة هو ما يسميه بولانتزاس “الاستقلالية النسبية” للدولة. الدولة ليست تابعة بشكل آلي للطبقة الحاكمة؛ بل يمكنها، في لحظات الأزمات، أن تتخذ قرارات تبدو مستقلة، لكنها في العمق تعيد إنتاج الهيمنة الطبقية. الانقلاب العسكري في 6 أبريل 1985 كان “مستقلاً” عن نميري، لكنه لم يكن مستقلاً عن النظام الرأسمالي الطفيلي الذي يمثله الجيش نفسه.

قرأ الجيش المشهد بدقة. الجماهير كانت تطالب بإسقاط النظام، لكنها لم تكن تملك سلطة مزدوجة، ولا برنامجاً بديلاً، ولا هيئات حكم موازية. كان الفراغ السياسي كبيراً. فكان الرد العسكري سريعاً وحاسماً: تشكيل المجلس العسكري الانتقالي، وحل الاتحاد الاشتراكي السوداني، والوعد بانتخابات بعد عام. كل هذه الإجراءات كانت تهدف إلى هدف واحد: إعادة تثبيت الدولة، ليس باسم نميري، بل باسم “الانتقال الديمقراطي”. والمجلس العسكري، الذي ترأسه سوار الذهب، ضم ستة عشر ضابطاً يمثلون القيادات العليا للجيش، حاملي المصالح الاقتصادية نفسها التي كان نميري يديرها. لم يتغير شيء في البنية العميقة للدولة. ما تغير هو الوجه الذي يديرها.

لم يكن الجيش السوداني مجرد مؤسسة عسكرية، بل كان عموداً فقرياً في الاقتصاد. في 1985، كما اليوم، يمتلك الجيش والاستخبارات شبكة واسعة من الشركات والمزارع والبنوك. هذه الإمبراطورية الاقتصادية لا يمكن أن تظل بمعزل عن الصراع السياسي. لذلك، حين تحدث الانتفاضة، يجد الجيش نفسه أمام خيارين: إما القمع الوحشي (وهو مكلف ويؤدي إلى انهيار الدولة)، أو الاستيلاء على السلطة مباشرة لدفع الجماهير إلى الخلف. في 1985، اختار الخيار الثاني، وفي 2019، بعد أن فشل البشير في احتواء الانتفاضة، اختار الجيش الخيار نفسه: خلع الرئيس، تشكيل مجلس سيادي، وإدارة الفترة الانتقالية وفق مصالحه.

هذه الآلية تُعرف في الأدبيات الماركسية بـ”امتصاص الموجة الثورية”. حين تصل الجماهير إلى ذروة قوتها، لكنها تفتقر إلى التنظيم والبرنامج، يظهر “حل وسط” من أعلى: يتم التضحية بالرأس، ويُعاد توزيع المقاعد في الحكومة، وتُمنح بعض الحريات الشكلية. الجماهير تفرح بإسقاط الديكتاتور، وتعتقد أنها انتصرت، بينما النظام يعيد ترتيب أوراقه لاستمرار هيمنته. من هنا تأتي خطورة “أوهام الانحياز العسكري”. فالانحياز الحقيقي للجيش ليس للشعب، بل لاستقرار دولة البرجوازية حين تكون في خطر داهم.

ما يعزز هذا الدور للجيش هو وضعه كجهاز إيديولوجي بامتياز. ففي السودان، كما في معظم دول “الهامش” الرأسمالي، تمارس المؤسسة العسكرية دوراً في بناء الهوية الوطنية وإنتاج الشرعية. كثير من السودانيين ينظرون للجيش على أنه “حامي الوطن” و”ضامن الوحدة”. هذه النظرة ليست بريئة؛ إنها نتيجة عقود من التلقين والتعبئة القومية التي تهدف إلى جعل الجماهير تقبل تدخل الجيش في السياسة كأمر طبيعي بل مرغوب فيه. في أبريل 1985، رحبت أوساط واسعة بالمجلس العسكري الانتقالي، معتبرة أنه أنقذ البلاد من الانهيار، وأنه “حامي الثورة”. هذا هو أعلى درجات الهيمنة: حين يعتقد المقهورون أن سجانهم هو من يحميهم.

الدرس الأساسي من تحليل الجيش كجهاز طبقي هو أنه لا يمكن “إصلاح” الجيش أو “تحييده” ضمن الدولة الرأسمالية. الجيش ليس أداة محايدة يمكن استخدامها ضد الديكتاتورية ثم إعادتها إلى الثكنات. الجيش هو جزء عضوي من البنية الطبقية، ومصالحه مرتبطة باستمرار النظام الاقتصادي القائم. من يظن أن الجيش “انحاز للثورة” في أبريل 1985 أو في ديسمبر 2018 وقع في فخ أيديولوجي خطير. الجيش ينحاز لمصالحه الطبقية فقط. وحين تتطابق هذه المصالح مع إسقاط ديكتاتور أصبح عبئاً، يبدو الأمر وكأنه “انحياز”. لكن سرعان ما تتبدد الأوهام حين يستولي الجيش على السلطة ويدير “الانتقال” وفق أجندته.

ما العمل إذن؟ التاريخ يعطي الإجابة بوضوح. الانتفاضة التي لا تبني سلطة مزدوجة قادرة على تحدي جهاز الدولة العسكري محكوم عليها إما بالهزيمة أو باختطاف نتائجها. في روسيا 1917، لم ينتظر العمال والفلاحون “انحياز” الجيش؛ بل بنوا السوفييتات كسلطة موازية، ونزعوا سلاح الضباط، وأقاموا حرساً أحمر. في غياب هذا المستوى من التنظيم، يظل الجيش هو اللاعب الأقوى على الأرض، والجماهير تبقى رهينة لحساباته الداخلية.

“الدولة هي لجنة تدير شؤون البرجوازية بكاملها.”
كارل ماركس.

النضال مستمر،،

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن