|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 4 / 14
لفهم ما إذا كان الحصار البحري الأمريكي على مضيق هرمز قد يقود إلى عودة الحرب، لا بد أولاً من وضع ما جرى في سياق أوسع يتجاوز لحظة التوتر الراهنة.
فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن يوماً علاقة قابلة للاستقرار منذ الثورة الإسلامية الإيرانية وأزمة الرهائن في طهران حيث تشكل نمط ثابت من الصراع يقوم على انعدام الثقة وإدارة الأزمات بدل حلها.
وحتى عندما بدا أن اختراقاً تحقق مع الاتفاق النووي الإيراني عاد هذا النمط ليؤكد نفسه بعد انسحاب دونالد ترامب لتعود العلاقة إلى مربع الشك العميق.
في هذا الإطار لا يمكن قراءة مفاوضات إسلام آباد كمسار دبلوماسي تقليدي، بل كحلقة ضمن صراع بنيوي. فالمفاوضات التي استمرت لساعات طويلة لم تكن عبثية، بل تعكس وجود نقاط تقاطع جزئية لكنها انهارت عند القضايا الجوهرية.
ما طرحته واشنطن وفق القراءة التي عرضتها لم يكن تسوية تدريجية، بل أقرب إلى إعادة صياغة شاملة لدور إيران والذي يشمل تفكيك البرنامج النووي، تقليص القدرات الصاروخية، كبح النفوذ الإقليمي، والانخراط في نظام إقليمي جديد يتضمن ترتيبات مع المملكة العربية السعودية وتركيا وإسرائيل.
بالنسبة لطهران هذا لا يقرأ كاتفاق بل كإعادة تعريف لهويتها الاستراتيجية وهو ما يفسر الرفض الحاد.
هنا يظهر التناقض الجوهري حيث الولايات المتحدة ترى نفسها بصدد ضبط قوة مهددة للنظام الإقليمي بينما ترى إيران نفسها قوة صاعدة تطالب باعتراف بدورها.
لذلك، لم تكن فجوة المفاوضات تقنية، بل صداماً بين تصورين للعالم حتى ما أشار إليه عباس عراقجي في تغريدة على منصة X (تويتر سابقا) حول التشدد المفاجئ يعكس هذه اللحظة التي انتقلت فيها المفاوضات من منطقة التفاهمات الجزئية إلى جوهر الصراع حيث لا توجد حلول وسط سهلة.
يأتي التصعيد في هذه الحالة في مضيق هرمز كأداة ضغط جديدة لكنه في الوقت ذاته يمثل أخطر مراحل التصعيد.
من الناحية القانونية والاستراتيجية الحصار البحري الشامل يعني عملياً اقتراباً من حالة الحرب حتى لو لم يعلن رسمياً. لكن ما يحدث غالباً هو منطقة رمادية تشمل تشديد الرقابة واعتراض ناقلات وتوسيع الانتشار العسكري ومحاولة فرض تحكم فعلي دون إعلان صريح للحصار.
المنطق الأمريكي هنا لا ينفصل عن تجربة الضغط الأقصى لكنه يتطور نحو نموذج أكثر حدة بدل الاكتفاء بالعقوبات المالية يجري استهداف الشريان البحري الذي يمر عبره معظم الاقتصاد الإيراني خصوصاً النفط.
وإذا صح تقدير أن ما يقارب 1.8 مليون برميل يومياً مهددة، فإن ذلك لا يعني فقط خسارة إيرادات، بل تهديد بنية الاقتصاد ككل.
الهدف ليس فقط الضغط، بل إعادة تشكيل سلوك النظام أو دفعه نحو تنازلات استراتيجية وربما كما يطرح إبعاده تدريجياً عن الصين وروسيا.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة كبيرة، فإيران بحكم بنيتها السياسية والعقائدية لا تستجيب بسهولة لضغوط تفسر كإذلال.
في التاريخ القريب بدت طهران أنها قادرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية والتكيف عبر قنوات بديلة سواء عبر شبكات التهريب أو الشراكات غير التقليدية.
لذلك، الرهان على انهيار داخلي سريع يبدو مبالغاً فيه بينما الرهان على تغيير السلوك تحت الضغط قد يدفع إلى نتيجة عكسية وهي التصعيد بدل التراجع.
وهنا نصل إلى السؤال المركزي هل يمكن أن يؤدي هذا الحصار إلى حرب؟!
الإجابة الواقعية هي أن الاحتمال يرتفع لكن ليس بالضرورة أن يتحقق بشكل مباشر أو فوري لأن الطرفين لا يريدان حرباً شاملة لكنهما يقتربان من حافة الاشتباك.
أي محاولة إيرانية لكسر الطوق بالقوة سواء عبر استهداف سفن أو تهديد الملاحة أو توسيع الضربات عبر حلفائها قد تستدعي رداً عسكريتً أمريكياً ما يفتح باب التصعيد المتدرج.
وفي المقابل أي مبالغة أمريكية في خنق إيران قد تدفع طهران لاستخدام ورقة هرمز بشكل أكثر عدوانية.
المعضلة هنا أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى أداة لإعادة تعريف التوازن الدولي من يسيطر على تدفق الطاقة يملك نفوذاً يتجاوز الإقليم إلى الاقتصاد العالمي.
لذلك فإن الصراع حوله ليس فقط بين واشنطن وطهران، بل يمتد إلى شبكة مصالح تشمل قوى كبرى وأسواق الطاقة العالمية.
في المحصلة النهائية ما يجري اليوم يمكن وصفه بأنه مرحلة ما قبل الحرب دون أن يكون حرباً بالمعنى الكامل.
إذا تصاعد الحصار وهو أقصى أدوات الضغط قبل الخيار العسكري لكنه أيضاً أكثرها قابلية للانفجار.
نحن أمام معادلة دقيقة تشمل ضغط مرتفع، ردع متبادل، وخطأ صغير قد يفتح الباب أمام مواجهة أوسع.
لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كانت الحرب حتمية، بل ما إذا كان الطرفان قادرين على إدارة هذا التصعيد دون الانزلاق إلى ما لا يريدانه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |