زلزال سياسي في أوروبا- سقوط أوربان بعد 16 عامًا من الحكم.

عبدالحكيم سليمان وادي
2026 / 4 / 13

د/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية

في مشهد لم تألفه الساحة السياسية الأوروبية منذ عقدين، شهدت "دولة المجر" في أروبا الشرقية،يوم الأحد 12 أبريل 2026 تحولًا تاريخيًا أطاح برئيس الوزراء/فيكتور أوربان، الذي حكم البلاد بلا انقطاع منذ عام 2010، ليحل محله زعيم المعارضة/ بيتر ماغيار ،وحزب "تيسا" الوسطي. هذا التحول المفاجئ لم يكن مجرد تغيير في قيادة دولة أوروبية صغيرة، بل هزة عنيفة في المشهد السياسي القاري، أثارت ردود فعل دولية واسعة النطاق.

أولا:تفاصيل النتائج- هيمنة غير مسبوقة للمعارضة وهزيمة أوربان.

أظهرت النتائج الأولية الصادرة عن مكتب الانتخابات الوطني المجري، بعد فرز ما يقارب 99% من الأصوات، فوزًا ساحقًا لحزب تيسا بحصوله على 53.62% من الأصوات، وهو ما يترجم إلى 138 مقعدًا من أصل 199 في البرلمان، متجاوزًا بذلك عتبة الثلثين التي تتيح له صلاحيات دستورية واسعة. في المقابل، تهاوى تحالف فيدس-KDNP الحاكم بزعامة أوربان إلى 37.79% فقط، أي ما يعادل 55 مقعدًا، في انهيار يعكس نهاية حقبة سياسية كاملة.

أما مؤشر التحول الشعبي فكان أكثر وضوحًا في نسبة الإقبال على التصويت، التي بلغت 77.8% - وهي أعلى نسبة تسجل في تاريخ المجر الانتخابي، مما يشير إلى رغبة جماهيرية هائلة في التغيير.

ثانياً:موقف أوربان-اعتراف مؤلم بالهزيمة.

في لفتة غير معتادة من رجل اشتهر بسيطرته المطلقة على المشهد السياسي منذ عام 2010 طوال 16 عام في الحكم حتى أبريل/ 2026، اعترف أوربان بالهزيمة بعد أقل من ثلاث ساعات على إغلاق مراكز الاقتراع، واصفًا النتيجة بأنها "مؤلمة لكنها واضحة". وقال في تصريح مقتضب للصحفيين"لم تُمنح لنا مسؤولية وفرصة الحكم مرة أخرى، لقد هنأت الحزب الفائز"؛ هذا التسليم السريع بالهزيمة، وهو ما كان نادرًا في ثقافة أوربان السياسية، عكس حجم الصدمة التي أحدثتها صناديق الاقتراع في دولة المجر الأوروبية.

هذه النتائج في صندوق الانتخابات إعاد تموضع المجر على الساحة الدولية من جديد،وربما تكون الآثار الجيوسياسية لهذا التحول هي الأكثر إثارة للاهتمام. فطوال 16 عامًا، كان أوربان يشكل "الشوكة" في خاصرة الاتحاد الأوروبي، محافظًا على علاقات وثيقة مع الكرملين وعاقدًا تحالفات مع تيارات اليمين المتطرف في القارة، وقد انعكس هذا القرب من موسكو بوضوح في مواقفه من الحرب الأوكرانية، حيث عطّل مرارًا مساعدات الاتحاد الأوروبي لكييف.

مع إعلان النتائج، كانت ردود فعل القادة الأوروبيين سريعة وحاسمة. فقد كتبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين على منصة "إكس"- "المجر اختارت أوروبا؛ قلب أوروبا ينبض بقوة أكبر في بودابست الليلة"؛أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس، فقال متوجهًا إلى الفائز/ ماغيار، "لنتحد معًا من أجل أوروبا قوية وآمنة ومتحدة"؛ في حين رأى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن النتيجة تمثل "انتصارًا للمشاركة الديمقراطية والتزام الشعب المجري بقيم الاتحاد الأوروبي".

أما الملف الأوكراني فكان حاضرًا بقوة، إذ سارع الرئيس/فولوديمير زيلينسكي ،إلى تهنئة ماغيار، معتبرًا أن "المجر أظهرت تصميمًا واضحًا على البقاء في الفضاء الأوروبي المشترك". من جهتها، قالت رئيسة وزراء أوكرانيا يوليا سفيريدنكو إن "الشعب المجري قال لا بحزم لمحاولات جر بلاده إلى مدار موسكو".

أما حول حلفاء أوربان المنهزم، كانوا بين التهاني المتحفظة والتبني الحذر، حيث لم تخلُ ردود الفعل من أصداء المحاولات اليائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التحالفات القديمة. فقد حرصت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على توجيه الشكر لـ"صديقها المهزوم/فيكتور أوربان ،على التعاون الوثيق"، مؤكدة أنها تعرف أنه "حتى من موقع المعارضة، سيستمر في خدمة أمته". أما حزب التجمع الوطني الفرنسي (اليمين المتطرف) فكان أكثر حذرًا، مكتفيًا بالإشادة بـ"الكرامة" التي قبل بها أوربان الهزيمة، واصفًا الانتقادات الأوروبية السابقة للمجر بأنها "لا أساس لها".

ختاما، يمكن القول أن أوروبا تقف في مفترق طرق، بينما يستعد الفائز في الانتخابات/بيتر ماغيار، البالغ من العمر 45 عامًا، لتولي السلطة، يبدو أن المجر تتجه نحو إعادة تعريف علاقتها مع الغرب. ماغيار، الذي انشق عن حزب فيدس قبل عامين فقط، بنى حملته الانتخابية على شعارين رئيسيين هما (مكافحة الفساد، وإصلاح العلاقات مع الاتحاد الأوروبي).

اخيراً،ما حدث في المجر ليس مجرد تغيير حكومة، بل هو إعادة تموضع استراتيجي لدولة كانت تمثل تحديًا مفتوحًا للقيم الليبرالية الأوروبية،حيث كانت تقف مع روسيا عكس التيار الاروبي، الان تغيرت المعادلة، في وقت تواجه فيه أوروبا أزمات وجودية على حدودها الشرقية، قد يكون سقوط ( أوربان ) بداية موجة جديدة من التصحيح السياسي في القارة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي