اخفاق المفاوضات واشكالية خيارات الابستينيين

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 4 / 13

صمدت ايران في وجه قوة عدوانية عاتية متغطرسة، ولا غرابة. لم تصمد ايران بقوة أسلحتها، فمقارنة ما لديها منها بما في الترسانة الأميركية غير جائز إن لم يكن ظالمًا. وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فإن السلاح الذي هزم الفيتناميون به أميركا، لا يكاد يُذكر في الكم والنوع مقارنة بآلة الحرب الأميركية. فالعامل الحاسم في الصراعات بين الأمم، هو الارادة. والقوة لها حدود لا تتخطاها، وإلا انقلب العالم إلى غابة.
بعد اغتيال علي لاريجاني، وهو من هو في السلم القيادي في طهران أضاءت بعض وسائل الاعلام من باب الفضول ربما على ما يملك الرجل من حطام الدنيا. من دون ايراد تفاصيل، قادة ايران، يعيشون حياة أبناء شعبهم. لا يملكون قصورًا منيفة، تعج بالخدم والحشم والمنافقين. ولم نعرف حاكمًا ايرانيًّا يتعامل مع الدولة كمزرعة خاصة، ورِثها عن الوالد !
ولا تحتفظ سجلات "الملاذات الآمنة" وبنوك الغرب، حيث تتكدس المليارات والملايين المسروقة من دماء الشعوب وحليب أطفالها وخبز جياعها، باسم أي مسؤول ايراني. ولم يورث أي حاكم ايراني ابنه كرسي الحكم، باستثناء المرشد الحالي لظرف استثنائي استدعى تحدي أميركا بهذا الاختيار. ويؤكد المختصون بالشأن الايراني، أن المرشد السابق كان قد أوصى بعدم اختيار ابنه مجتبى لموقع المرشد.
ومن الملاحظ خلو الثقافة الايرانية من ظواهر التدجين والاستحمار، ومنها الهتاف للزعيم، وتدبيج الأغاني له، وتنظيم الأشعار المُطَعَّمة بتعابير ومصطلحات دينية تحض على طاعته وتعظيمه. ولا تماثيل للقائد المظفر، أينما وليت وجهك تراها.
ما بسطناه في سطورنا السابقة، نجد فيه أحد أهم أسباب صمود ايران، رغم التكلفة العالية.
أما السبب الرئيس التالي، وقد يكون أهم من الأول، فهو التفاف الايرانيين حول الدولة. نعم، التفوا حول الدولة وليس النظام، عندما أدركوا ببصيرة جمعية ثاقبة أن الوجود ذاته هو المستهدف. ولقد استقر في وعيهم الجمعي أن دولتهم ذات نشأة تاريخية طبيعية، لم تُضِفْها إلى أطلس الجغرافيا السياسية مشارط الدول الاستعمارية بوحي من مخططاتها.
صمود ايران في مواجهة العدوان فرض وقف اطلاق النار، لكن يبدو أن أميركا كررت خطأ الحسابات وسوء التقدير في المفاوضات كما في شن الحرب. والنتيجة في الحالتين، الاخفاق.
قبل بسط أسباب اخفاق المفاوضات، يستدعي السياق الاضاءة على عُدَّة كل من الطرفين التي بها تمنطق وذهب الى اسلام اباد.
الايرانيون يستند موقفهم إلى ما يمكن تسميته "فرض معادلة الكُلفة" على واشنطن، وبذلك فانهم لم يفاوضوا من موقع المضطر بلا أوراق. فقد صمدت ايران، وهذا يُحسب لها وكان صمودها من المفاجآت غير السارة لراعي البقر الأميركي وغرور القوة. ويُحسب لايران أيضًا براعتها في استخدام ورقة مضيق هرمز. مقصود القول، ايران ترى أن بيدها من الأوراق ما يؤهلها لرفض الاملاءات الأميركية وتقديم تنازل ترى أنه يمس سيادتها، مثل حقها المشروع في تخصيب اليورانيوم.
أما المعتدي الأميركي فقد جاء إلى اسلام اباد، وفي نيته تحقيق ما عجز عنه بالعدوان من خلال التفاوض. أضف إلى ذلك ما في جدول أعماله من أجندة اسرائيلية، يتصدرها لبنان واليورانيوم المخصب.
وعليه، تركَّزت المفاوضات على ثلاثة بنود رئيسة: النووي، وهرمز، ولبنان. وليس غريبًا أن يكون الاخفاق نتيجتها، لأكثر من سبب يمكن اجمالها في أربع كلمات يتوسطها حرف عطف: الباطل الصهيوأميركي ونواياه المُبَيَّتة. الكيان كان حاضرًا في المفاوضات، بوجود الأفعوانين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ضمن الوفد الأميركي.
بشيء من التفصيل، السبب الأول لاخفاق المفاوضات افتراض أميركا الطائش سهمه كما طاش سهم تقديراتها بإنهاء الحرب بشروطها خلال أيام قلائل، أن ايران ضَعُفَت بما يكفي لتقديم التنازلات المطلوبة، أو الاملاءات على وجه الدقة.
السبب الثاني، عودة واشنطن إلى مطالبها قبل العدوان، وعلى وجه التحديد في موضوع اليورانيوم.
السبب الثالث، رفض ايران التنازل فيما يخص لبنان الشقيق، حيث تصر واشنطن على استثنائه من أي معادلة لوقف اطلاق النار. والهدف واضح، وهو ضمان استفراد الكيان الشاذ اللقيط بلبنان واطلاق يده لمواصلة العدوان والقتل والتدمير.
السبب الرابع، رفض الايرانيين املاءات الادارة الأميركية الابستينية بخصوص مضيق هرمز والتمسك بشروطهم.
ما الحل، وإلى أين تتجه الأمور؟!
ثمَّة من سارع الى الدعوة للاستعداد لصافرات الانذار مُجَدَّدًا، ونحن نرى أن هذا التسرع يعتوره عيب السذاجة ولا يخلو من سطحية. لماذا؟
كما وجدت أميركا نفسها في عُزلة بالعدوان على دولة ذات سيادة من دون مبررات مقنعة حتى لأقرب حلفائها التقليديين، ها هي تزج بنفسها في اشكالية الخيارات، بعد تسببها باخفاق المفاوضات. والاشكالية أعقد من الأزمة، وأشْكَل من المأزق.
فالعودة الى التفاوض بالشروط ذاتها والتمسك بها هدر للوقت، يضع أميركا في موقف محرج أقرب الى المهزلة. أضف إلى ذلك، فإن هذا الخيار وصفة لتكرار الاخفاق. ولا يقل بؤسًا عن ذلك، الابقاء على وقف اطلاق النار من دون مكاسب سياسية. ولعل أول ما يتبادر إلى الأذهان هنا، عجز واشنطن عن تحويل حربها إلى انجاز سياسي. أما خيار العودة إلى الحرب، فلا شيء يضمن عدم تحوله الى كارثة لأميركا. فقد تأكد، خلال العدوان على مدار أربعين يومًا، أن الحسم بالقوة غير مضمون. تلقت ايران ضربات موجعة طالت بناها التحتية ومنشآتها المدنية والعسكرية، عدا عن اغتيال رموز الصف القيادي الأول. هذا كله موجع ومكلف، لكنه لا يحسم الحرب. وليس لنا أن نغفل تداعيات العودة للحرب على أسواق الطاقة للأميركيين قبل غيرهم، ناهيك بارتداداتها الاقليمية والدولية المتوقعة. في السياق ذاته أيضًا، فإن الحرب البرية مخاطرة قد تكلف أميركا كثيرًا، وفي الخلفية درس انزال أصفهان ونهاياته غير السارة لراعي البقر الأميركي.
مقصود القول، العودة للتفاوض بالشروط الأميركية إلى العبث أقرب. والخيار العسكري غير مضمون النتائج، ويحتمل تداعيات قد تجعل العقل الأميركي يسترجع كابوس فيتنام من الأمس البعيد والخيبة في أفغانستان في الأمس القريب. وليس أقل من ذلك مدعاة للكوابيس والقلق موضوع الوقت، وهو في غير صالح الابستينيين. فقد أدار أقرب حلفاء واشنطن ظهورهم لها خلال عدوانها على ايران، والأسباب معروفة على ما أنف بيانه. فكيف إذا أصدر الابستيني ترامب أوامره باستئناف العدوان، بكل ما يحتمله ويترتب عليه من محاذير ومخاطر بَسَطنا أهمها.
مشكلة العقلية الأميركية، أن غرور القوة يحيط بصرها وبصيرتها بغلالة ترفض الاقرار بأن العالم يتغير. لكن يبدو أن أميركا ستجد نفسها قريبًا مُرغمة على رؤية ما لا ترغب برؤيته. ليس رؤيته فحسب، بل والاقرار به والأيام ستروي.
للتذكير، كان ترامب قد هدَّد بفتح مضيق هرمز بالقوة، لكنه لم يلبث أن غَيَّرَ رأيه وصرح بأنه سيحاصر المضيق رُغم اخفاق المفاوضات.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن