4. الإضراب السياسي العام 1985: سلاح الطبقة أم حده الأقصى؟

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 4 / 13

لم يكن الإضراب في أبريل 1985 مجرد توقف عن العمل، بل كان تعليقاً مؤقتاً لعلاقة الاستغلال ذاتها. حين ترك العمال مواقعهم في السكة الحديد ومصانع النسيج ومحطات الكهرباء، لم يخسروا أجور يومهم فقط، بل كشفوا أن استمرار النظام برمته يتوقف على استمرارهم في الخضوع. في تلك الأيام الحاسمة، تحول الإضراب من أداة مطلبية إلى سلاح سياسي قادر على شل الدولة بالكامل. القطارات توقفت، المصانع سكنت، المستشفيات أغلقت أبوابها، والمحاكم تعطلت. كان المشهد مهيباً: جماهير تمتلك القدرة على قطع الشرايين التاجية للنظام، لكنها تكتشف في اللحظة نفسها أن القدرة على الشلل ليست قدرة على الحكم. الإضراب بلغ ذروته، وفي ذروته أظهر حدوده.

تصاعد الإضرابات في مارس وأبريل 1985 لم يكن عفوياً ولا مفاجئاً. بدأت القصة بإضراب عمال السكة الحديد في أواخر مارس، احتجاجاً على تآكل الأجور وسياسات صندوق النقد التي جعلت الرواتب الحقيقية لا تساوي ثلث قيمتها السابقة. تلاهم عمال النسيج في حلفا الجديدة، ثم امتدت العدوى إلى عمال الكهرباء والموظفين الحكوميين، وأخيراً انضم الأطباء والمحامون والمدرسون عبر نقاباتهم المهنية. كل حلقة من هذه الحلقات كانت ترفع سقف المطالب: من زيادة الأجور إلى رفض سياسات التعديل الهيكلي، ثم إلى إسقاط نظام نميري بكامله. هذا التصعيد ليس مجرد تسلسل زمني، بل هو منطق طبقي صارم: الإضراب الاقتصادي يستنفذ نفسه سريعاً إذا لم يتحول إلى إضراب سياسي، والإضراب السياسي لا يمكنه الاستمرار دون أن يطرح سؤال السلطة. عمال السودان أدركوا ذلك عملياً: كل يوم إضافي من الإضراب كان يضعف قدرتهم على الصمود، بينما كان يقوي إحساسهم بأن النظام لا يمكن إصلاحه، بل يجب اقتلاعه.

دور النقابات هنا كان مزدوجاً، وأحياناً متناقضاً. من جهة، كانت النقابات – وخصوصاً اتحاد المهنيين ولجان العمال – هي الأداة الوحيدة القادرة على تنسيق الإضراب عبر قطاعات مختلفة، وإصدار البيانات السياسية الموحدة، وإدارة الاحتجاجات في الميادين. من جهة أخرى، كانت قيادات نقابية كثيرة (خصوصاً في نقابات المهنيين من أطباء ومحامين) تميل إلى التعامل مع الإضراب كورقة ضغط للتفاوض، لا كسلاح لتدمير سلطة الدولة. هذا التردد ليس صدفة، وليس خيانة أخلاقية. القيادات النقابية كانت جزءاً من الطبقة الوسطى المأجورة التي تخشى من انهيار الدولة الكامل، لأن انهيارها يعني انهيار سوق عملها وموقعها الاجتماعي. العمال العاديون في مواقع الإنتاج كانوا أكثر جرأة، لأنهم لم يكونوا يملكون ما يخسرونه سوى أغلالهم. هذا الانقسام الداخلي داخل الجبهة الجماهيرية هو أحد مفاتيح فهم لماذا توقفت الانتفاضة عند حدود إسقاط نميري.

حدود الاحتجاج المنضبط تجلت بوضوح في إدارة الاحتجاج السلمي. الجماهير كانت ملتزمة بعدم العنف بشكل لافت، ليس لأنها تؤمن بأخلاقية السلم كقيمة مطلقة، بل لأنها كانت تدرك أن أي أعمال عنف فردية ستمنح النظام ذريعة لقمع أوسع. هذا الانضباط كان قوة تكتيكية هائلة: فقد جرد النظام من شرعية القمع وأظهره كوحش يقتل العزل على مرأى من الكاميرات. لكنه كان أيضاً حداً استراتيجياً قاتلاً. فالالتزام بالسلم جعل الجماهير عاجزة عن نزع السلاح من أيدي الجيش، أو اقتحام مؤسسات الدولة، أو تشكيل هيئات موازية تدير الشوارع والأحياء والمصانع. حين يكون السلاح الوحيد هو الجسد العاري، يصبح النصر رهناً بلحظة يقرر فيها الجيش أن ينتحي جانباً، لا بلحظة تقتحم فيها الجماهير القصر الرئاسي. وهذا بالضبط ما حدث في صباح 6 أبريل.

العنف والسلام كتكتيكين لا يمكن فصلهما عن ميزان القوى الطبقي. فحين تكون الدولة ضعيفة ومتشققة داخلياً، يمكن للعنف الجماهيري المنظم أن يسرع انهيارها. وحين تكون الدولة متماسكة ومدعومة خارجياً، يكون العنف انتحاراً جماعياً. في حالة السودان 1985، كان الجيش لا يزال متماسكاً نسبياً، لكنه كان منقسماً حول ولائه لنميري. العمال لم يمارسوا عنفاً مسلحاً، لكنهم لم يمنعوا بعض أعمال التخريب الرمزي: إحراق الإطارات، إغلاق الجسور، قطع خطوط الاتصال. هذا المزيج كان كافياً لإيصال رسالة واضحة: الجماهير قادرة على شل النظام، لكنها ليست مستعدة للحرب الأهلية. النظام قرأ الرسالة بشكل صحيح: التضحية بنميري أرخص بكثير من الحرب.

اللحظة الحاسمة كانت في 6 أبريل 1985، حين أعلن الجيش، عبر مجموعة ضباط، انحيازه للانتفاضة وأعلن إسقاط نميري. هل كان هذا "انتصاراً للإضراب"؟ جزئياً، نعم. الإضراب خلق الظروف التي جعلت استمرار نميري مكلفاً للجيش إلى درجة لا تطاق. لكن الانحياز العسكري لم يكن تحولاً في ميزان القوى لصالح العمال، بل كان إعادة تموضع داخل الطبقة الحاكمة نفسها. الجيش لم ينحز إلى "الشعب" كطبقة، بل انحاز إلى استقرار الدولة ضد ديكتاتور أصبح عبئاً على استمرارية النظام. العمال والموظفون والطلاب وجدوا أنفسهم خارج غرفة القرار، بينما دخل الضباط إلى القصر الرئاسي. هذه هي مفارقة الإضراب السياسي العام: يمكنه إسقاط طاغية، لكنه لا يستطيع، وحده، منع طغمة جديدة من التقاط الراية.

ما يبقى من دروس انتفاضة أبريل 1985 هو أن الإضراب العام سلاح هائل، لكنه ليس سوى مرحلة. يمكنه شل الدولة، لكنه لا يستطيع حكمها. يمكنه إجبار النظام على التفاوض، لكنه لا يستطيع فرض شروطه دون سلطة مزدوجة. يمكنه إنتاج لحظة ثورية، لكنه لا يستطيع تحويلها إلى عملية ثورية مستدامة. لهذا، كل انتفاضة تعتمد على الإضراب كأداة وحيدة محكوم عليها إما بالتراجع أو باختطاف نتائجها من قوى لا تمثل مصالح المنتجين. الإضراب هو سقف القوة النقابية؛ وما بعد السقف لا يبنيه إلا تنظيم ثوري ببرنامج وسلطة موازية. القابلات ليسوا أطباء بل جنوداً.

"الإضراب الجماهيري ليس ثورة بعد، لكنه الرحم الذي تولد منه الثورة."
روزا لوكسمبورغ.

النضال مستمر،،

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن