الاستحمار (3)

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 4 / 12

الاستحمار نوعان برأي علي شريعتي، قديم وحديث، كالاستعمار تمامًا، فمنه قديم ومنه حديث. على العموم، الاستحمار طلسمة الذهن، ودافع انحراف للوعي على المستويين الشخصي والاجتماعي.
لكل من الاستحمارين، القديم والحديث أدواته في تحريف الوعي وتزييفه. الاستحمار الحديث يستخدم ما يتراءى لنا انجازات وقيم عظيمة ونبيلة، لتحقيق غاياته كالحريات وحتى العلم ومنجزاته.
أما الاستحمار القديم فقد برع في استخدام الدين، ويسمي علي شريعتي هذا النوع من الاستحمار بـ"الاستحمار الديني". ويقصد به دين أصحاب السلطان والمال. ويعبر عنه شريعتي بأكثر من كناية، منها "فرعون، وقارون، وبلعم بن باعورا"، أو دين "السوط، والذهب، والمسبحة". أما الدين الذي يؤيده شريعتي ويدعو إليه، فهو دين المعرفة والنباهة، لا دين السُّنَن الوراثية المنصرمة. يرفض شريعتي الفهم المُتحجِّر للدين، ويرفض دين التلقين من السلف إلى الخلف من غير عِلمٍ وبلا بصيرة. باختصار، يدعو شريعتي، إلى الفهم العِلمي للدين.
ويضيء الرجل على أساليب توظيف الدين للاستحمار، ومنها قاعدة "دع الدنيا، فإن عاقبتها الموت". على أرضية هذه القاعدة الكارثية، ينبت الكسل والتبلُّد والتواكل بغطاء ديني. يعطل الانسان قدراته، ويكبح مشاعره، ويلغي اندفاعه للكفاح لتلبية حاجاته وتحقيق تطلعاته، بحيث ينصب اهتمامه على ما يضمن فوزه بالدار الآخرة، أي ما بعد الموت، بناء على ما يتلقنه يوميًّا. هناك يحصل على كل ما يتمناه وكل شيء سيكون تحت تصرفه، بشرط ألا يعير اهتمامًا بالدنيا الفانية ويُسخِّر جهوده وطاقاته للفوز بالآخرة!
نحن هنا أمام وصفة بِختم المقدس لخسارة الدنيا، حيث الاخفاق يصبح مؤكدًا وكذلك الهزائم أمام من تعب وكافح بدأبٍ للحصول على عناصر القوة وأهمها العلم ومنتجه الرئيس، التكنولوجيا الحديثة. ولعل من أخطر تمثلات التفكير على أرضية هذه القاعدة المأساوية، التخلف العلمي والتقني في واقعنا، وبالتالي الضعف والهوان والهزائم.
دين الاستحمار يحيل المرء إلى الغيب، فيُفقِدُه قدرته على تقرير مصيره بنفسه. فلا داعي للكفاح وبذل الجهد في الدنيا، ليحقق الانسان ذاته. فكل شيء مقسوم ومقرر مسبقًا مهما حاول الانسان، ولكن الأهم هو التفرغ للعبادة وترك الآخرين يبدعون ويبتكرون ونحن نستخدم نتاج ابداعاتهم. نمط من التفكير يفضي بالضرورة إلى أن يتخلى الانسان عن دوره ومسؤوليته، وهما أساس تحقيق الذات وغاية الوجود الاجتماعي الفاعل. والنتيجة، الإحالة الى صكوك الغفران القروسطية أو ما يشبهها. فدين الاستحمار، يحيل الانسان إلى الاكتفاء بـ"الأدعية"، والتضرع إلى السماء، كوسائل تفتح له أبواب الجنان من غير تعب ولا مشقة، ولا تشويش، وبدون شعور أو تفكير، وبدون مسؤولية. المظلوم يضمن دين الاستحمار انصافه بعد الموت، أما الظالم فليس مطلوبًا منه اعادة حقوق ضحيته أو ضحاياه، بل اللجوء إلى محتكري الدين وتفسيره لمنحه صكوك البراءة نيابة عن المظلوم أو المظلومين.
ويستحضر علي شريعتي أساس ذلك، حيث يراه في تركيز الفكر الاسلامي في مساراته الكلامية وحصر اهتماماته في القوى الغيبية وعالم الغيب(الميتافيزيقا) على حساب الانسان ووجوده. وعليه، غَدَا التراث خاصتنا نظريًّا تجريديًّا، بلا فائدة في الاجتماع الانساني، لاعتماده مبدأ "الانسان من أجل الدين، وليس الدين من أجل الانسان". هنا، يرى شريعتي مكمن التقهقر الحضاري لمجتمعاتنا.
وكأن شريعتي يتحدث عن مبدأ "الحاكمية"، المحايث للخطاب الديني والكامن في بنيته. ومن أفقع تعبيرات الحاكمية، اختزال الانسان في علاقته مع المطلق المتعالي بمسطرة سيد/ عبد وأعلى/ أسفل. على هذا الأساس، يتعمق شعوره بفقدان ثقته بقدراته وامكانياته، فيركن إلى التواكلية والسلبية. وبتركيز الفكر الديني على البُعد الميتافيزيقي وتجاهله للأبعاد الاجتماعية، فإنه يبرر الاستغلال والعجز والقهر.
ومن أخطر تجليات الحاكمية أيضًا، اهدار دور العقل ومصادرة الفكر على المستوى العلمي والثقافي. وهو ما ينتهي إلى تكريس أشد الأنظمة تخلفًا ورجعية.
وفي السياق أيضًا، يضيء شريعتي على ما يسميه "الشكر على التعاسة"، الشكر الذي يراه فلسفة العجز والفاقة وتقول به فلسفة الدين المزيفة. ويتخير مثالًا لهذا النوع من الشكر رجلًا يقول:"الحمد لله الذي لم يجعل أذنينا تحت ابطينا". فلو كانت تحت ابطينا، لكنا مجبرين على رفع الابطين كلما تكلم أحدٌ لنسمعه، ولكانت الكيفية مضحكة جدًّا. أما في الوضع الذي نحن عليه، فبدون تحريك ساكن نسمع ما يقول المتكلم.
في الاطار ذاته، يرثي شريعتي لحال أولئك الذين يشكرون ويحمدون استخدامهم منتجات ليس لهم أي دور في انتاجها، كالسيارات والطائرات وغيرها. نحن نوافقهم أن هذا تقدم، وهو بالفعل كذلك ولكن لمن أنتج وأبدع وابتكر. أما بالنسبة للمستهلك، فهو ضحية نهم استهلاك ما يُنتجه الآخرون وما يترتب عليه من الاتباع والتقليد الأعمى خاصة.(يتبع).

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن