|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
منصور رفاعي اوغلو
2026 / 4 / 10
لم تعد المشكلة في سوريا أن الطغيان سقط ثم عاد بوجه آخر، بل أن البلاد تحولت إلى مزرعة مفتوحة للوكلاء، وكل وكيل يرفع علمًا ويبيع نفسه على أنه “منقذ”. لهذا لا يكفي اليوم أن تسأل: هل فشل أحمد الشرع؟ السؤال الأصح والأكثر قسوة هو: هل يملك أصلًا مشروعًا سوريًا مستقلًا، أم أنه مجرد مدير محلي لمرحلة ترعاها أنقرة وتستثمر فيها حتى آخر ليرة وآخر حاجز وآخر قرار سيادي؟
أحمد الشرع قدّم نفسه كرجل دولة، لكن حصيلته الداخلية حتى الآن أقرب إلى حصيلة مدير أزمة فاشل منه إلى مؤسس دولة. تحت حكمه انفجرت البلاد طائفيًا، وتحوّل “الوعد بالوحدة” إلى دم على الساحل، حيث قُتل أكثر من ألف شخص في مارس 2025، ثم وجدت تحقيقات رويترز لاحقًا أن نحو 1,479 علويًا قُتلوا في المجازر، وأن كثيرًا من المرتبطين بالسلطة لم يُحاسَبوا فعليًا في ذلك الوقت. هذه ليست “هفوة انتقالية”، بل فضيحة دولة قالت إنها جاءت لدفن الوحشية ثم أعادت إنتاجها بوجوه جديدة.
ثم جاء الإعلان الدستوري ليكشف الجوهر الحقيقي للمشهد: سلطة تتحدث عن “سوريا الجديدة” لكنها تحتفظ بمركزية خانقة، وتُبقي الفقه الإسلامي أساسًا رئيسيًا للتشريع خلال المرحلة الانتقالية، وتثير رفضًا من القوى الكردية التي رأت في النص إعادة إنتاج للاستبداد بصياغة مختلفة. وحتى “الحوار الوطني” الذي قُدِّم كنافذة جامعة، رافقته منذ البداية انتقادات تتعلق بالإقصاء وضعف التمثيل. باختصار: الرجل لم ينجح في بناء عقد وطني، بل نجح فقط في تسويق سلطة انتقالية ضيقة تريد من السوريين أن يصفقوا قبل أن يسألوا.
أما في الملف الكردي، فالصورة أكثر فجاجة. بدل أن نرى دولة سورية تفاوض من منطلق وطني مستقل، رأينا مسارًا تتحرك فيه أنقرة كوصي أمني فعلي على دمشق. رويترز نقلت أن تركيا، الحليف الرئيسي للشرع، لعبت عبر جهاز استخباراتها دورًا مهمًا في الدفع نحو اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية، وأن أنقرة كانت ترى في هذا المسار مكسبًا لأمنها الداخلي بقدر ما هو ملف سوري. هذه ليست شراكة ندية بين دولتين؛ هذا نموذج البلد الذي يُدار ملفه السيادي عبر حسابات الجار الأقوى.
ومن يريد أن يفهم معنى الوصاية التركية فلينظر إلى الاقتصاد أيضًا، لا إلى الأمن فقط. خلال الأيام الأخيرة نفسها، كانت أنقرة ودمشق تعززان التعاون المصرفي والتجاري، مع تحرك بنوك تركية كبرى لدخول السوق السورية وتوسيع الحضور المالي التركي. من يسيطر على السلاح والحدود والمال لا يكون “صديقًا” فقط؛ يكون شريكًا مهيمنًا يضع سقف القرار ويترك للواجهة المحلية مهمة الخطاب. هكذا تبدو سوريا الشرع: دولة يفترض أنها استعادت سيادتها، لكنها تُربط ماليًا وأمنيًا وسياسيًا أكثر فأكثر بعجلة تركيا.
لهذا يخاف السوريون. ليس لأنهم عشقوا الذل، بل لأنهم رأوا بأعينهم كيف تُسرق الثورات مرتين: مرة على يد الطاغية القديم، ومرة على يد التابع الجديد الذي يبيعهم أوهام “التحرير” ثم يسلم رقبة البلد إلى راعٍ خارجي. السوري اليوم لا يخشى فقط سقوط سلطة، بل يخشى أن يُطلب منه الاحتفال باستبدال تابعٍ لأنقرة بتابعٍ لتل أبيب، أو سمسار نفوذ بسمسار نفوذ آخر. وهذا خوف عقلاني، لا جبنًا، لأن من ذاق الخديعة مرة لا يذهب إلى الفخ الثاني مغمض العينين.
لكن هذا الخوف، مهما كان مبررًا، لا يمكن أن يتحول إلى شلل أبدي. لأن معنى ذلك ببساطة هو التسليم بأن سوريا محكوم عليها أن تبقى وكالة موزعة بين العواصم، وأن السوري لا يحق له إلا أن يختار سيده الخارجي المفضل. هنا تصبح الثورة ضرورة أخلاقية وسياسية، لا نزوة رومانسية. لكن ليس أي ثورة: ليست ثورة يُكتب بيانها في أنقرة ولا في تل أبيب ولا في أي غرفة عمليات أجنبية. الثورة التي تحتاجها سوريا اليوم هي ثورة على منطق الوكالة نفسه، على الحاكم الذي لا يستطيع الوقوف دقيقة واحدة من دون مظلة إقليمية، وعلى المعارضة التي تستبدل راعياً براعٍ ثم تبيع ذلك على أنه انتصار.
أحمد الشرع فشل لأن الدولة ليست خطبة، ولأن “البراغماتية” ليست اسمًا آخر للخضوع. فشل لأنه لم يبنِ مؤسسات ثقة، ولم يقدّم عدالة مقنعة، ولم يطفئ النار الطائفية، ولم يقنع السوريين أن دمشق عادت دمشق لا مكتب ارتباط لتركيا. وكلما ازداد ارتماؤه في الحضن التركي، ازداد الشك فيه لا بصفته حاكمًا ضعيفًا فقط، بل بصفته حلقة في سلسلة التبعية التي دمّرت سوريا أصلًا.
لهذا، نعم، قد يكون الوقت قد حان لثورة سورية جديدة. لكن شرطها الأول أن تكون أكثر ذكاءً من السابقة، وأكثر وقاحة في تسمية الأشياء بأسمائها:
لا نريد عميلًا تركيًا، ولا عميلًا إسرائيليًا، ولا موظفًا عند أي سفارة.
لا نريد “رجل مرحلة” يبيع البلد مقابل حماية.
لا نريد سلطة ترفع شعار السيادة بينما تمضي إلى الخارج بكل ملف سيادي كبير.
نريد شيئًا واحدًا فقط: سوريا لا تُدار بالوكالة.
لأن البديل عن ذلك واضح ومهين:
سنظل نبدّل الأقفاص، ونختلف فقط على لون السلاسل.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |