|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 4 / 7
نحن لا نتحرك في مسرح هذه الحياة منعزلين، بل نحن كائنات تشتبك يومياً داخل شبكة بالغة التعقيد من الثقافات والقطعان البشرية. ولكي نتمكن من ممارسة فردانيتنا الحقيقية وسط هذا الزحام الصاخب، كان لزاماً علينا أن نمتلك أدوات معرفية قادرة على تشريح النفس البشرية وفهم محركاتها العميقة. من هنا، تتشكل "المقاربة الثلاثية"؛ وهي محاولة لنسج ثلاث من كبريات النظريات في التحليل النفسي وعلم الأعصاب، لصياغة عدسة دقيقة نقرأ بها ذواتنا والآخرين.
الفكر البشري قدم لنا ثلاث زوايا كبرى لفهم هذا التعقيد؛ فقد حدثنا فرويد عن المعركة الداخلية بين "الهو" البدائي الأعمى الباحث عن اللذة الفورية، و"الأنا العليا" التي تمثل رقابة المجتمع وقيمه، و"الأنا" التي تحاول النجاة بخلق تسويات بينهما. ثم جاء يونغ ليوسع الرؤية نحو البعد الاجتماعي، كاشفاً عن "القناع"؛ ذلك الوجه الذي نصطنعه لننال القبول والأمان داخل القطيع، مختبئين خلفه عن ذواتنا الحقيقية. وأخيراً، ربط ماكلين هذا كله ببيولوجيا أدمغتنا عبر نظرية "الدماغ الثالوثي"، مقسماً الدماغ إلى: مخ الزواحف البدائي (مقر الغريزة)، ومخ الثدييات (مقر العاطفة والانتماء)، والقشرة الحديثة (معجزة التطور ومقر الوعي).
من هذا التلاقي الفريد بين التحليل النفسي والبيولوجيا، تبرز "المعادلة النفسية-التطورية" كأداة لتفكيك الشخصية. هي لا تقيس الذكاء التقليدي، بل تحدد "مركز ثقل" الوعي لدى الإنسان، وتقوم على ثلاثة محركات رئيسية:
• المحرك الغرائزي (G): ويمثل طاقة البقاء، والبحث عن اللذة، والسيطرة. هو باختصار اندفاع مخ الزواحف وهوية "الهو".
• المحرك الاجتماعي (S): ويمثل رغبتنا في التكيف والانتماء. وهنا يجب أن نميز بدقة بين التكيف الواعي السليم الذي يسهل تفاعلنا مع المجتمع دون أن يلغينا، وبين "القناع الجامد" الذي يخنق ذواتنا ويصيبنا بالفصام الداخلي.
• المحرك الإنساني الواعي (H): وهو لا يقتصر فقط على نشاط القشرة المخية الرشيدة، بل يمثل الوعي المتجذر في النضج النفسي؛ إنها القدرة على الغوص في أعماقنا، واستيعاب تناقضاتنا، وبناء ذات حقيقية ومتفردة.
إن التفاعل المستمر بين هذه المحركات هو ما يخلق نماذج البشر التي نصادفها كل يوم.
تجد أحياناً "الشخصية الغريزية المقنعة"، وهي شخصية يحركها نهم السيطرة واللذة الغريزية بقوة، لكنها تتستر خلف قناع اجتماعي صلب من العادات والتقاليد أو حتى التدين لتمرير غاياتها. هذه الشخصية تعيش في ازدواجية معايير حادة، وقلق دائم من لحظة سقوط القناع.
في المقابل، هناك "الشخصية المستلبة جمعياً"، التي تذوب تماماً في توقعات المجتمع. يتضخم لديها القناع على حساب وعيها الفردي، فتغدو شخصية "مثالية" في عيون الناس، لكنها خاوية ومكتئبة في نظر نفسها، لأنها ببساطة تعيش حياة لا تخصها.
أما النموذج الأرقى فهو "الشخصية الإنسانية المتصالحة"؛ إنسان يعترف بغرائزه ولا يكبتها بمرض، ويحترم قوانين المجتمع بمرونة دون أن يتماهى معها كلياً، لكن مرجعيته المطلقة ومحركه الأساسي يظل وعيه الخاص. قد يشعر هذا الفرد ببعض الاغتراب الوجودي وسط الجموع، لكنه سلام داخلي نابع من اتساق الفكرة مع السلوك.
يجب ألا ننسى أن هذه المحركات ليست ثابتة، بل تتطور مع الزمن. فالطفل تحركه الغريزة، والمراهق يتخبط في صراع الانتماء وتشكيل القناع، بينما يسعى الإنسان الناضج لتتويج الوعي كقائد. ولا يقف الأمر عند الفرد، بل يمتد لتحليل الثقافات بأكملها؛ فهناك مجتمعات تفرض قناعاً صارماً يقتل الإبداع، ومجتمعات تغرق في الاستهلاك والعدوانية، ومجتمعات نادرة تشجع النقد والتفرد.
في النهاية، تظل هذه المقاربة الثلاثية خريطة مرنة لبدء رحلة الفهم، وليست قالباً حديدياً نحشر فيه البشر. الصحة النفسية الحقيقية لا تعني إعدام الغريزة أو تمزيق القناع الاجتماعي تماماً، بل تعني أن يتولى الوعي دفة القيادة؛ فيستثمر طاقة الغريزة بحكمة، ويختار بملء حريته متى يرتدي قناع القطيع ليتفاعل، ومتى يخلعه ليحيا حقيقته.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |