|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 4 / 6
لطالما شكل الجسد الأنثوي ساحةً لصراع خفي، صراع تتصادم فيه حتمية البيولوجيا مع محاولات الإنسان المستميتة لفرض المعنى وصناعة الحضارة. لا يمكننا استيعاب هذا المأزق الأنطولوجي في نظرتنا للجسد بمعزل عن تفكيك تلك الجدلية الأزلية بين "الجمال" كقيمة عليا، و"الإثارة" كدافع غريزي؛ فالتماهي المعاصر بين المفهومين ليس مجرد زلة لغوية، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية في وعينا الحديث.
إذا أردنا مقاربة هذا المأزق، يمكننا استعارة الثنائية النيتشوية الشهيرة، حيث يتجلى "الجمال" كحالة أبولونية (Apollonian) تعكس التناغم والنظام والسكينة. في لغة علم النفس التطوري، هذا الجمال هو هندسة بصرية (كتناسق الوجه وصفاء البشرة) تُترجم في اللاوعي إلى مؤشرات على النقاء الجيني وسلامة النمو. إنه خطاب يوجه رسائله إلى مراكز التذوق الجمالي، باعثاً على الارتقاء.
في النقيض تماماً، تقف "الإثارة" كقوة ديونيسية (Dionysian) عاتية؛ بدائية، فوضوية، ومحكومة بالرغبة. الإثارة لا تستأذن الوعي الجمالي، بل تخترق الدفاعات العقلية مباشرة لتستفز أقدم أجزاء الدماغ (كاللوزة الدماغية). هي تعتمد على ما يمكن تسميته بالمحفزات الفائقة – كالتناسب التشريحي الصارخ – لتبث إشارات ملحة حول الخصوبة والاستعداد للتكاثر.
هنا تبرز المشكلة: لو تُرِكت هذه الغريزة العمياء لتسود منفردة، لأحالت التجمعات البشرية إلى ساحات اقتتال ذكوري تفكك أي بنية اجتماعية محتملة. غير أن الإنسان لا يُختزل في استجاباته الغريزية أو البيولوجية؛ فالوعي الإنساني، بما يملكه من إرادة حرة وقدرة على التسامي، يظل القوة القادرة على كبح هذه الحتمية وتجاوز نداءات "اللوزة الدماغية" نحو بناء حضاري يعي ذاته.
من رحم هذا التناقض، برزت الحاجة إلى تدخل صارم. لم تقف المجتمعات القديمة، ولا الأنساق الدينية الكبرى، مكتوفة الأيدي أمام هذه الفوضى البيولوجية. التدريعات السوسيولوجية – بدءاً من آليات الحجب الجسدي في القبائل البدائية وصولاً إلى التشريعات الأخلاقية للستر في الأديان الإبراهيمية – لم تكن مجرد كبت متعسف للجسد كما يحلو للبعض تصويرها. بل كانت، في جوهرها، محاولة ديالكتيكية (جدلية) لخلق مركب جديد ينقذ المجتمع؛ عبر تحييد المحفزات البيولوجية الصارخة، وإرساء "يقين الأبوة"، ضماناً لعدم تمزق النسيج المجتمعي. بيد أننا يجب ألا نقع في فخ الرومانسية التاريخية؛ فهذا الحل الديالكتيكي لم يكن محايداً بالمطلق، بل تماهى في أحيان كثيرة مع ديناميكيات الهيمنة الذكورية، ليتحول إلى أداة لفرض الوصاية على جسد المرأة وحركتها تحت غطاء الحفاظ على الاستقرار المجتمعي.
ولكن، أين نحن اليوم من هذا التوازن؟
لقد تكفلت الرأسمالية الاستهلاكية في عصر ما بعد الحداثة بتدمير هذه التسويات التاريخية. بمنطق يسعى لتعظيم الربح المادي بلا هوادة، تم سحق "الجميل" ودمجه قسراً في أتون "المثير". وكما حذر فلاسفة الاستهلاك، أمثال جان بودريار، تحول الجسد الأنثوي إلى مادة، أو بالأحرى، إلى "سلعة".
هذا التشويه الهيكلي أفرز واقعاً مأساوياً نعيشه يومياً. فمن جهة، يُقصف العقل الذكوري بسيل لانهائي من المحفزات الفائقة عبر الشاشات، مما يرفع عتبة الإشباع (الدوبامين) ويخلق حالة من الاغتراب العاطفي والبرود تجاه الواقع. ومن جهة أخرى، تُزج المرأة في صراع عدمي مع الزمن؛ إذ تُسلب حقها في النضوج الطبيعي المتسق مع مراحل العمر، ليُفرض عليها سعي محموم نحو خلود وهمي لـ "الإثارة الاستهلاكية"، وهو ما يفسر الاكتئاب البنيوي الذي ينهش أجيالاً بأكملها.
إلا أن الاستسلام لسردية "الضحية" يعفينا من المواجهة ويُرسخ انتصار هذه المنظومة الاستهلاكية. فالمسؤولية الأخلاقية تقتضي اليوم تخليق "وعي مضاد". العقل الذكوري مُطالب بتحمل مسؤوليته في التمرد على هذا التخدير البصري ورفض تسليع الآخر، تماماً كما أن المرأة مدعوة للثورة على قوالب الاستهلاك التي تصادر حقها في الوجود الإنساني المتجاوز لحدود التشييء الجسدي.
في النهاية، يبدو أن استعادة وعينا الإدراكي مرهونة بمدى قدرتنا على الفصل المفاهيمي مجدداً بين الجمال والإثارة. الجمال هو حالة تماهٍ مع النظام الكوني تمنحنا السكينة، بينما الإثارة نداء بيولوجي حتمي لا يمكن ترويضه إلا داخل إطار سوسيولوجي منضبط وأخلاقي. التغافل عن هذه الثنائية، والاستسلام لمنطق السلعة، هو ببساطة إعلان لهزيمة العقل الحضاري الناقد أمام سطوة الغريزة وجشع السوق.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |