الاستحمار (1)

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 4 / 6

كثير مما يجري في واقعنا العربي، على صعيد العلاقة مع جارة كندا خاصة، يثير التساؤل ويلفُّه الغُموض. وبعض منه يستعصي على الفهم، بالمعايير الطبيعية المستقاة من علمي السياسة والاجتماع.
بدأت أميركا عدوانًا مباغتًا على ايران، لصالح الكيان الشاذ اللقيط دون استشارة من تسميهم "حلفاءها" العرب، رغم أن الحرب في سماء العرب، ومن أرض العرب. فوق ذلك، تطلب أميركا تصريحًا وتلميحًا تمويل حرب الكيان من العرب. الأدهى والأمَر، سعي أميركا في تحقيق رغبة صهيونية مضمرة لجر بعض العرب إلى مواجهة مباشرة مع ايران، بالتشارك مع العدو التاريخي لهم ولأمتهم.
على صعيد متصل، يستحيل أن يتعامل الكيان الصهيوني بهذا المستوى من الصلف والغرور والتحدي مع دولنا من دون دعم أميركا المفتوح سياسيًّا وماليًّا وعسكريًّا. يحتل فلسطين، ويتنكر لأبسط حقوقها شعبها صاحب الأرض. يتمدد في سوريا ولبنان، ويواصل اعتداءاته، فيقتل العرب بالسلاح الأميركي كل يوم. وقد وصل الغرور بالعصابة الحاكمة في الكيان الشاذ اللقيط حد اشهار خارطة الوهم التوراتي، المعروف باسم "اسرائيل الكبرى". وللمرة الأولى في تاريخ العلاقات الأميركية مع الكيان، يعلن سفير أميركي لديه تأييده لهذا الوهم في تصريحات علنية.
ساكن البيت الأبيض الحالي يتعامل مع الحكام العرب باستخفاف واستهتار، ويوجه لهم اهانات بأحط ما حوته قواميس الانجليزية من كَلِم.
قبل العدوان الصهيوأميركي على ايران وبعده، تأكد للعالم كله وليس للعرب فحسب أن القواعد الأميركية في العديد من بلداننا هدفها الرئيس حماية الكيان الصهيوني، وغير معنية بحماية العرب وأمنهم أصلًا.
ومع ذلك يتشبث بعض العرب بالعلاقة مع واشنطن، ومنهم من يتباهى بما يسميه "علاقات التحالف الاستراتيجي" بين بلده وأميركا. ومن العرب من يتهافت على الكيان ذاته، ناهيك بالحريصين على استمرار العلاقات معه.
ما ذكرنا، وهو غيض من فيض، يثير أسئلة واخزة وعلى الأعصاب ضاغطة. ولربما تسعف القاريء إضاءاتنا على الاستحمار، من زوايا عدة، في تخفيف وخزها واستبصار حصيلةٍ من مفاتيح ألغازها.
الاستحمار مصطلح نحته المفكر الكبير علي شريعتي، والرجل غني عن التعريف.
ينهض مشروع علي شريعتي الفكري على أساس العودة إلى الذات، مع ضرورة التجديد وكشف التزوير وتعرية الثوابت الوهمية، وقد عُرف بجرأته العلمية في نقد الموروث.
الكلمة الأكثر مركزية في منظومته الفكرية، هي الاستحمار. يبدأ تحديد مقصوده بالاستحمار باستدعاء نقيضه في اللغة، أي النباهة. والنباهة عنده قسمان: فردية أو نفسية، واجتماعية. الأولى، يراها شريعتي في إطار أشمل يسميه "الوعي الوجودي"، وتشير إلى كل ما يرتبط بوعي الانسان بوجوده الفردي والجماعي والتاريخي. من هنا انبثقت الثانية، أي النباهة الاجتماعية. ويقصد بها شريعتي الوعي السياسي بالمعنى الأفلاطوني للسياسة، المُستمد من القولة الشهيرة لأفلاطون، ومفادها أن "الانسان حيوان اجتماعي".
النباهة الاجتماعية تنهض على شعور الفرد بالمصير التاريخي لمجتمعه وبانضمامه إليه وبمسؤوليته كرائد وقائد طليعي، من أجل الهداية والقيادة والتحرير والحركة الشاملة تجاه شعبه وأمته.
وعليه، الاستحمار يعني تزييف وعي الانسان ونباهته وحرف مساره عن تينك النباهتين، الفردية والاجتماعية. وأي فعل أو عمل يدفع إلى تحريف هاتين النباهتين أيًّا كان مصدره، فهو دافعُ استحمارٍ حتى لو ارتدى لبوس المقدس وتكلم بلغته.
وتتركز ديناميات الاستحمار في اتجاهين، الأول، التجهيل بمعنى صرف الأذهان إلى الغفلة عن القضايا المصيرية والجهل بها. والثاني، الإلهاء، أي اشغال الانسان بالحقوق الجزئية عن الحقوق الكلية في سياق ما يُعرف بثنائية (الأهم والمهم) و (فقه الأولويات). وكل من الثنائيتين، تروم اشغال الأذهان بالمهم على حساب الأهم، وبالهامش لصرفها عن المركز. (يتبع).

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن