سعيد بن جبلي: سيرة الاختلاف داخل نفس الهزيمة

سعد بن علال
2026 / 4 / 5

سعيد بن جبلي لم يكن مجرد اسم في هامش التاريخ المغربي، بل كان انعكاسا حيا لتوتر دائم بين الفرد والتاريخ، بين وعي الذات وعنف الواقع. كان وعيه يتشكل في مواجهة بنية سياسية متصلبة، وسط مجتمع يئن تحت وطأة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مجتمع يطرح أسئلة عن العدالة والحرية ويختبر كل من يجرؤ على البحث عن إجابة. لقد حمل في نفسه حسّا نقديا لم يهدأ، ورفض الامتثال لشروط النظام، لكنه، مثل كثيرين لاحقا في حركة 20 فبراير، وجد نفسه محاصرا بين طموح التغيير وإرهاق المساطر القانونية والاجتماعية، بين الرغبة في الفعل وبين حدود الواقع القاسية.
وأقول هذا من موقع لم يكن يوما محايدا: في تلك المرحلة كنت من منتقديه. كنت أرى في بعض مواقفه التباسا، وفي بعض خياراته ضعفا، لكنني لا يمكن أن أنكر اليوم أنه كان جزءا من نفس المسار الجماعي، من نفس القلق والبحث عن معنى للالتزام الثوري الذي حمله شباب حركة 20 فبراير. رغم اختلاف التقدير، كنا جميعا نحمل أسئلة حارقة عن العدالة، الحرية، والقدرة على تغيير الواقع، كل بطريقته، كل بمقدار ما تسمح له شجاعته بالتحمل والمواجهة.
حركة 20 فبراير لم تكن مجرد احتجاجات عابرة؛ كانت محاولة جذرية لإعادة تأسيس معنى الفعل السياسي في المغرب، في مواجهة نظام متصلب وهياكل اجتماعية تقمع التغيير، محاولة لاقتفاء أثر أجيال سابقة حملت هم السياسة والعدالة. ومثل سعيد بن جبلي، وجد كثيرون أنفسهم في مأزق نفسي وسياسي: كيف يمارس الالتزام الثوري في واقع يصر على قمع الفعل، وتكرار الهزائم الصغيرة، والانقسامات الفكرية التي تضعف اللحظة الجماعية؟ كيف ينجو الفرد بحساسيته ووعيه من عبء الالتزام حين تصبح كل خطوة محكومة بالمراقبة والضغط والحدود القاسية؟
مأزقه لم يكن فرديا فحسب، بل انعكاسا لبنية أوسع: بنية تفرغ الفعل السياسي من جوهره، وتحول الالتزام إلى عبء نفسي، بدل أن يكون أفقا للتحرر. وهنا يبرز السؤال السياسي والفلسفي معا: كيف يستمر المثقف أو الناشط في مواجهة واقع يكافئ النقيض ويعاقب النوايا الصافية؟ كيف تصمد الحساسية الأخلاقية والسياسية أمام تكرار الهزيمة وتحول الانكسار إلى روتين؟
النهاية المأساوية المرتبطة باسمه — اختياره وضع حد لحياته — ليست مجرد حادثة فردية، بل لحظة قصوى تكشف عمق الأزمة: الانكسار الذي يحدث حين يصطدم وعي الإنسان المثقف أو الناشط بالحدود القصوى للواقع، حين ينهار الجسر بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. ليست النهاية مجرد مأساة شخصية، بل انعكاس للتوتر بين الفعل والقيود، بين الإرادة والواقع، بين الحرية والهيمنة البنيوية.
استحضار تجربة سعيد بن جبلي وربطها بسياق حركة 20 فبراير يسمح بفهم اللحظة الجماعية، وكيف أن أولئك الذين حاولوا تجاوز التقليدي، الذين دفعوا ثمن الالتزام السياسي، كانوا جزءا من سلسلة الفعل والمساءلة، جزءا من سؤال مفتوح عن إمكانيات الثورة والحرية والعدالة. إنه درس حول حدود الفعل الفردي ضمن التاريخ، حول العبء النفسي والسياسي للوعي، وحول ضرورة مساءلة البنية التي تنتج هذا العبء.
تجربة سعيد بن جبلي، في هذا السياق، تعكس أيضا صدام الجيل الجديد مع الإرث السياسي والفكري للأجيال السابقة، أولئك الذين حاولوا وضع أسس التغيير، وتعلم من الأخطاء السابقة، لكنهم واجهوا متاهات القوانين والبيروقراطية والضغط الاجتماعي. حركة 20 فبراير لم تكن بمعزل عن هذا الإرث؛ لقد حملت بين طياتها التناقض ذاته: الحماسة والوعي، الرغبة في الفعل والإحباط المستمر، الالتزام الشخصي مقابل ضعف الهياكل الجماعية.
إنه سؤال مفتوح، ليس عن الرجل فقط، بل عن كل من حاول، وفشل، واستمر، وكل من يحمل في نفسه صراعا بين الحلم والواقع، بين الفعل والقيود. سعيد بن جبلي يظل، في هذا السياق، رمزا لتناقض اللحظة الثورية المغربية: رمز الاختلاف، الانكسار، والتساؤل الدائم عن معنى الالتزام حين ينهار العالم أمام عينيك.
في النهاية، قراءة مسار سعيد بن جبلي اليوم، ضمن سياق حركة 20 فبراير، ليست تذكيرا بمأساة فردية فحسب، بل تأملا نقديا في شروط إنتاج الفعل الثوري: في واقع يفرغ الالتزام من معناه، وفي مجتمع يترك الحساسية والثورية تواجهان الانكسار وحدهما، وفي التاريخ الذي يعيد إنتاج تحدياته على أجيال متعاقبة. إنه درس مستمر، للحساسية والالتزام، وللذين يصرون على السؤال: كيف نعيش لحظة سياسية تاريخية ونصمد أمام انهيارها؟

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن