جينالوجيا العدالة: وهم المطلق، ومكابدة النسبي

احمد كانون
2026 / 4 / 5

العدالة ليست جوهراً أبدياً معلقاً في سماء الميتافيزيقا ننتظر هبوطه، ولا هي مجرد انعكاس باهت لمصالح الأقوى؛ بل هي "صيرورة" تاريخية متوترة، ومكابدة بشرية تتشكل عبر تراكم النضالات، وتدافع الأفكار، والاشتباك اليومي مع الواقع. إن محاولة اصطياد "عدالة مطلقة" — تعيد الضحية من قبرها وتغسل روح الجاني من كل خطيئة — ليست سوى يوتوبيا رومانسية وعاقراً في حقل التطبيق. لكن، حذارِ؛ فالخطيئة المعرفية الكبرى تكمن في ردّ كل مبدأ كوني إلى "وهم طوباوي" بحجة الواقعية. هناك فارق جوهري بين "مطلق معياري" لا غنى عنه كبوصلة أخلاقية (كحرمة الدم وكرامة الإنسان)، وبين "مطلق كمالي" مستحيل يسوقنا نحو العدمية. الأول ضرورة لتفكيك الظلم، والثاني مجرد سراب نطارده في الصحراء.
بين الأسطورة والمؤسسة: لا تذبحوا النسبي!
في الحفر الجينالوجي لمفهوم العدالة، ندرك أنها لم تكن يوماً حقيقة فيزيائية، لكنها قطعاً ليست دالاً فارغاً. لقد تخلقت وتطورت عبر مدونات التاريخ، من جستنيان إلى الشرائع القديمة وصولاً إلى ديباجات حقوق الإنسان. هي نماذج نسبية، نعم، لكنها تحمل في أحشائها نزوعاً نبيلاً نحو الكونية. المأزق يبدأ حين نُقدّس سياقاً تاريخياً واحداً ونصبّه في قالب أبدي، أو حين ننزلق إلى تشكيك عدمي يلغي كل المعايير بحجة النسبية. العقل الحر يتبنى "نسبية نقدية"؛ تدرك نقص المؤسسة البشرية، لكنها لا تستسلم لانفلات المعايير.
خرافة القصاص الجاهز والبراغماتية الغائبة
يختزل العقل الثأري، ببدائيته المعهودة، الديالكتيك المعقد للعدالة في معادلة صفرية: "القاتل يُقتل". هذا الخطاب يتجاهل أن الدم لا يغسل الدم، وأن القصاص بحد ذاته لا يشفي عطب المجتمع. غير أن رفضنا للثأر المنفلت لا ينبغي أن يوقعنا في سذاجة حقوقية تلغي وظيفة "الردع". العدالة العقلانية تحتاج إلى توازن براغماتي دقيق: بُعد "تعبيري" يدين الجرم بعقاب رمزي وازن، وبُعد "وقائي" يعزل الخطر عن الجسد الاجتماعي، وبُعد "تأهيلي" يحاول إصلاح ما أفسدته البيئة، مع امتلاكنا لشجاعة الاعتراف بأن بعض العقول المعطوبة سيكولوجياً لا تملك قابلية الإصلاح!
المسكنات الميتافيزيقية: الهروب من ساحة المعركة
حين تسحق آلةُ الظلم الإنسانَ وتخذله العدالة الأرضية، يمارس أقسى أنواع الإسقاط النفسي: الهروب الميتافيزيقي. إما باللجوء إلى سماء تَعِدُ بعدالة مؤجلة، أو بالتمترس خلف طوطم أرضي (سلطة مقدسة أو آيديولوجيا). هذه الإسقاطات قد تعمل كـ "مسكنات" تمنع الانهيار السيكولوجي، لكنها في جوهرها تعطل ماكينة النضال، وتحيل الإنسان من فاعل تاريخي يغير واقعه إلى كائن سلبي ينتظر الخلاص. العقلانية الحقيقية لا تشتم الإيمان بالقيم، بل تشتبك معها في الأرض، وترفض تحويلها إلى تبرير للكسل السياسي.
الإنسان كغاية أخيرة
أي عدالة نبتغي إذن؟ إنها العدالة التي تضع "الإنسان الحي" كغاية قصوى، لا كحطب يُحرق على مذابح الآيديولوجيا. عدالة لا تعترف بالنصوص المحنطة، بل تعمل بمرونة ديمقراطية لتحجيم الأذى والانتروبيا المجتمعية، وتعويض الضحايا بلموسية، وتخضع لمساءلة مؤسساتية قادرة على تصحيح مسارها دون انتظار "ثورة ملائكية" مستحيلة.
في النهاية.. لا تبرروا الخنوع باسم "الواقعية"، ولا تذبحوا "النسبي الممكن" على مذبح "المطلق المستحيل". إن عدالة متواضعة، عرجاء، وناقصة، تشتبك مع وحل التاريخ وتصارع لتقترب من الكرامة الإنسانية، هي أكرم للعقل وأشرف ألف مرة من عدالة ميتافيزيقية مؤجلة لا تهبط أبداً، أو عدالة ثأرية لا تورث الأرض سوى الخراب.
- أحمد كانون

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن