|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 4 / 4
هذه السلسلة من المقالات لم تكن محاولة لإنتاج نظرية ثورية جاهزة يمكن تطبيقها بشكل آلي على الواقع. كانت محاولة متواضعة لفتح نقاش ضروري حول طبيعة الصراع الطبقي في المجتمعات العربية، وأدوات فهمه، وشروط تجاوز أزماته. الآن، بعد خمسة وعشرين مقالاً، حان الوقت للخروج من دائرة التحليل النظري إلى سؤال الممارسة: كيف ننتقل من قراءة الواقع إلى تغييره؟ كيف نبني حركة ثورية جديدة قادرة على تجاوز إخفاقات الماضي واغتنام فرص المستقبل؟
الانتفاضات العربية علمتنا درساً قاسياً لكنه ضروري: لا يمكن تغيير المجتمع دون تغيير أنفسنا أولاً. لا يمكن بناء حركة ثورية جديدة دون تجاوز عيوب الحركات القديمة: التبعية النظرية، والنزعة الإصلاحية، والعفوية، والانفصال عن الجماهير، والبيروقراطية، والانقسامات العقائدية. هذا التجاوز لا يعني إنكار تراث اليسار العربي أو تجاهل تضحياته، بل يعني البناء عليه نقدياً، واستخلاص دروس إخفاقاته، وتطوير أدوات جديدة تتناسب مع واقع جديد.
الممارسة الثورية الجديدة التي نحتاج إليها تقوم على خمسة مبادئ أساسية، تستند إلى الدروس المستخلصة من تجربة الربيع العربي.
المبدأ الأول: العضوية. لا يمكن بناء حركة ثورية من فوق، عبر نخب منعزلة تتصور أنها تملك الحقيقة وتنزل بها إلى الجماهير. الحركة الثورية الحقيقية تنمو من داخل الجماهير، وتعبر عن همومها اليومية، وتشاركها في نضالاتها الجزئية قبل أن تطرح عليها أهدافاً استراتيجية كبرى. هذا يعني أن النشاط الثوري لا يقتصر على حضور الندوات وكتابة البيانات، بل يمتد إلى المشاركة في تنظيم عمال النظافة، ودعم إضرابات عمال المنصات الرقمية، والنزول إلى الأحياء الشعبية في مواجهة الغلاء والتهجير القسري، والوقوف إلى جانب الفلاحين في دفاعهم عن أراضيهم. العضوية تعني أن يكون الثوار جزءاً من نسيج المجتمع لا وقوفاً خارجه.
المبدأ الثاني: التواضع النظري. لا نملك نظرية ثورية جاهزة يمكن تطبيقها على الواقع كقوالب جامدة. ما نملكه هو أدوات تحليل مستمدة من التراث الماركسي، ومن تجارب النضال السابقة، ومن قراءة نقدية للواقع الراهن. هذه الأدوات تحتاج إلى تطوير مستمر في ضوء التجارب الجديدة، وإلى نقاش مفتوح مع مختلف التيارات، وإلى اختبار عملي في الميدان. التواضع النظري يعني الاستعداد للتعلم من الأخطاء، والتراجع عن المواقف الخاطئة، والاعتراف بحدود معرفتنا. كما يعني الانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى، دون المساومة على المبادئ الجوهرية.
المبدأ الثالث: الجمع بين النضال اليومي والأفق الاستراتيجي. لا يمكن اختزال النضال الثوري في النضال من أجل مطالب يومية جزئية، لأن هذا يؤدي إلى الإصلاحية والرضا بالنظام القائم. كما لا يمكن اختزاله في الشعارات الاستراتيجية الكبرى، لأن هذا يؤدي إلى العزلة عن الجماهير. المطلوب هو الجمع بين المستويين: النضال من أجل تحسين الأجور وظروف العمل والخدمات العامة، وفي نفس الوقت ربط هذه المطالب بهدف أوسع هو تغيير علاقات الإنتاج وتفكيك الدولة العميقة. هذا الربط لا يتم بشكل خطابي، بل من خلال ممارسة تظهر للجماهير أن الإصلاحات الجزئية غير كافية، وأن الحل الجذري هو السبيل الوحيد لتحقيق مطالبها.
المبدأ الرابع: التنظيم المرن والديمقراطي. لا يمكن بناء حركة ثورية بدون تنظيم، لكن التنظيم المطلوب ليس النموذج الحزبي الهرمي الذي ورثناه من القرن العشرين. المطلوب هو تنظيم مرن، قادر على استيعاب تنوع النضالات وأشكال المشاركة، ومتجذر في القواعد الشعبية، وقائم على الديمقراطية الداخلية وصنع القرار الجماعي، ومتصف بالشفافية والمحاسبة. هذا التنظيم يجب أن يكون قادراً على العمل في ظروف القمع، وعلى استخدام التكنولوجيا الحديثة كأداة للتواصل والتنسيق، وعلى بناء قيادات جماعية تتجنب مخاطر الفردانية والبيروقراطية.
المبدأ الخامس: الأممية. لا يمكن هزيمة الرأسمالية الريعية في بلد عربي واحد بمعزل عن البقية. العدو الطبقي هو نفسه في القاهرة والرياض وبيروت وإسطنبول، وهو نفسه في واشنطن ولندن وباريس. لذلك، فإن النضال ضده يحتاج إلى تنظيمات أممية عابرة للحدود، تتبادل الخبرات والتجارب، وتنسق المواقف والاستراتيجيات، وتبني وعياً مشتركاً يتجاوز القومية الضيقة والتبعية الإقليمية. هذا لا يعني إلغاء النضال الوطني في كل بلد، بل وضعه في إطار أوسع يدرك أن التحرر الحقيقي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تحرر الشعوب الأخرى.
هذه المبادئ الخمسة ليست نظرية مثالية يمكن تطبيقها في فراغ، بل هي توجهات عملية تحتاج إلى ترجمة في ضوء ظروف كل بلد وإمكانيات كل حركة. كما أنها ليست بديلاً عن التنظيمات القائمة، بل دعوة لتطويرها وتجاوز عيوبها.
الآن، بعد خمسة وعشرين مقالاً، حان وقت الخروج من دائرة التحليل إلى دائرة الممارسة. النظرية وحدها لا تصنع ثورة، لكن الممارسة العمياء لا تصنعها أيضاً. المطلوب هو الوحدة الجدلية بين النظرية والممارسة، بين التحليل والعمل، بين النقد والبناء. هذا هو جوهر الماركسية كمنهج حي، وهذا هو شرط تجاوز أزمة اليسار العربي.
"الفلاسفة فقط فسروا العالم بطرق مختلفة، لكن المطلوب هو تغييره."
كتب كارل ماركس هذه العبارة في شبابه، وظلت طوال حياته دليلاً لممارسته الثورية. هذه العبارة هي خلاصة هذه السلسلة من المقالات، وهي دعوة للانتقال من القراءة إلى الفعل، من النظري إلى العملي، من التحليل إلى التغيير. العالم العربي بحاجة إلى ثوار يغيرونه، لا إلى فلاسفة يفسرونه. السلسلة تنتهي هنا، لكن النضال لا ينتهي. بل هو يبدأ من حيث تنتهي الكلمات.
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |