|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 4 / 4
يصعب فهم ظاهرة الفصائل المسلحة في العراق دون إدراك أنها ليست مجرد "مليشيات" بالمعنى التقليدي ولا هي مؤسسات دولة كاملة السيادة، بل تقع في منطقة رمادية بين الاثنين حيث تمتلك شرعية جزئية مستمدة من الدولة وقوة مادية مستقلة عنها في الوقت ذاته وهذه الازدواجية هي أصل الإشكال وهي ما يجعل الرأي العام يتعامل معها إما بتبسيط مخل يصل إلى التخوين أو التمجيد المطلق أو بعجز عن الفهم.
لقد جاء ظهور الحشد الشعبي بعد فتوى السيد علي السيستاني سنة 2014 في سياق مواجهة تنظيم داعش ليمنح هذه التشكيلات شرعية دفاعية واضحة لكنها مع مرور الوقت تحولت من استجابة طارئة إلى بنية دائمة وهنا بدأت الجدلية التي تتمثل في التناقض بين الشكل الرسمي والاستقلال الفعلي للفصائل المسلحة.
الفصائل المسلحة في العراق ليست وليدة سنة 2014، بل تمتد جذورها إلى ما بعد 2003 حين تفككت الدولة وظهر فراغ أمني وسياسي وفي تلك اللحظة نشأت فصائل متعددة بدوافع مختلفة منها مقاومة الاحتلال الأمريكي وحماية المكونات الطائفية ومشاريع أيديولوجية مرتبطة بقوى إقليمية إضافة إلى شبكات قوة محلية تبحث عن النفوذ لكن نقطة التحول الكبرى جاءت مع اجتياح داعش لمساحات واسعة من العراق ما أعاد تعريف هذه الفصائل من فاعل مواز إلى ضرورة وطنية ومن هنا بدأت تظهر الفجوة بين دورها الدفاعي المؤقت واستقلالها المستمر لاحقاً.
تستند الفصائل خصوصاً ضمن قوات الحشد الشعبي إلى شرعية مركبة تتداخل فيها الأبعاد الدينية والقانونية والواقعية، فالشرعية الدينية ترتبط بفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع علي السيستاني وهي وإن كانت محددة زمانياِ بمواجهة الخطر الوجودي، إلا أنها تحولت إلى مرجعية رمزية مستمرة أما الشرعية القانونية فقد ترسخت عندما أقر البرلمان العراقي في 26 نوفمبر 2016 قانون الحشد ليصبح جزء من المنظومة الأمنية الرسمية غير أن هذه الشرعية تعاني من تناقض جوهري يتعلق بطبيعة خضوع الحشد لسلطة الدولة بينما تبقى الشرعية الواقعية أي امتلاك السلاح والقدرة على الحشد والسيطرة هي الأكثر تأثيراً عملياً لأنها تفرض عبر موازين القوة لا عبر النصوص.
الفصائل المسلحة التي تنتمي رسمياً إلى قوات الحشد الشعبي تتقاضى رواتبها من ميزانية الدولة ما يمنحها غطاءً شرعياً أمام الإعلام والمجتمع وهي من الناحية الشكلية جزء من مؤسسة رسمية خاضعة للبرلمان والحكومة لكن الواقع العملي يكشف أنها تعمل بدرجات متفاوتة من الاستقلال، فهي ليست مجرد وحدات عسكرية ضمن قيادة مركزية صارمة، بل تمتلك قراراتها الخاصة ونفوذها المباشر على الأرض وغالباً قدرتها على التحرك دون الرجوع إلى القيادة الرسمية وهو ما يخلق فجوة بين الانتماء المؤسسي والسلوك الفعلي.
ولفهم هذه الحالة يمكن الاستعانة بمفاهيم نظرية مثل الدولة الهجينة حيث تتداخل مؤسسات الدولة الرسمية مع قوى غير رسمية تمارس السلطة فعلياً وهو ما يجعل السيادة جزئية وغير مكتملة وكذلك مفهوم السيادة المجزأة الذي يشير إلى أن الدولة لا تحتكر القوة داخل حدودها، بل تتقاسمها مع فاعلين مسلحين وهو ما يظهر في قدرة بعض الفصائل على التحكم بمناطق معينة واتخاذ قرارات مستقلة إضافة إلى نظريات الميليشيات التي ترى أن هذه الجماعات تنشأ غالباً في بيئات تعاني من ضعف الدولة أو من تهديدات أمنية حادة لكنها تتحول مع الوقت إلى بنى دائمة يصعب تفكيكها وأن التعامل معها بالقوة وحدها غالباً ما يؤدي إلى صراع داخلي بينما يتطلب دمجها في الدولة عمليات معقدة من إعادة الهيكلة والتحفيز السياسي.
هذا التناقض يعكس حالة ازدواج السيادة ويخلق التباساً كبيراً لدى الرأي العام فالبعض يرى الفصائل جزء من الدولة تسهم في حماية الأمن وتعمل وفق القانون بينما يراها آخرون ككيانات شبه مستقلة تمتلك قراراتها ونفوذها السياسي والمالي الخاص وربما ترتبط بأجندات إقليمية وهو ما يثير القلق بشأن وحدة الدولة وبالتالي يصبح تقييمها معقداً بين كونها قوة داعمة للدولة أو منافساً داخلياً لها.
يعاني الحشد الشعبي كمؤسسة بدوره من تفاوت داخلي، فبعض وحداته تعمل وفق قيادة مركزية واضحة وتشارك بفعالية في العمليات الأمنية، في حين تمثل الفصائل الأكثر استقلالاً حالة تشبه الدولة داخل الدولة حيث تحسم القرارات على مستوى الفصيل لا القيادة الموحدة وهو ما يؤدي إلى تشتت القوة وصعوبة توحيد الخطط ويؤثر سلباً على صورته داخلياً وخارجياً.
يزيد البعد المالي من تعقيد المشهد، إذ إن تمويل هذه الفصائل من ميزانية الحشد يعني أن الدولة تتحمل كلفة كيانات لا تسيطر عليها بشكل كامل ما يخلق معضلة مزدوجة تتمثل في وجود استقلال عسكري وسياسي جزئي للفصائل مقابل تحمل الدولة أعباءها المالية وهو ما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان هذا التمويل يعزز الاستقرار أم يغذي التفرقة ويقوي النفوذ المستقل.
كما أن تحول بعض الفصائل إلى قوى سياسية عبر الانتخابات أضاف طبقة جديدة من التعقيد، إذ يصبح من الصعب الفصل بين الجناحين العسكري والسياسي حيث يعزز النفوذ العسكري الموقع السياسي والعكس صحيح ما يخلق تداخلاً بين القوة والساحة الديمقراطية يصعب تفكيكه نظرياً وعملياً.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة دون وضعها في سياقها الإقليمي حيث يتداخل دور بعض الفصائل مع صراعات أوسع مثل التنافس بين إيران والولايات المتحدة والتوتر مع إسرائيل وامتداد شبكات ما يعرف بمحور المقاومة وهو ما يجعل بعض هذه الفصائل ترى نفسها جزء من مشروع إقليمي يتجاوز الإطار الوطني، الأمر الذي يعمق الفجوة بينها وبين مفهوم الدولة العراقية.
المعضلة الأساسية لا تكمن في وجود الفصائل بحد ذاته، بل في صعوبة التعامل معها فهي تمتلك شرعية شعبية جزئية ولعبت دوراً حاسماً في هزيمة داعش وترتبط بتوازنات سياسية داخلية وتحظى بدعم إقليمي، لذلك فإن أي محاولة لإلغائها بالقوة قد تؤدي إلى صراع داخلي في حين أن تركها دون تنظيم يعمق ضعف الدولة ويكرس ازدواجية السيادة.
السيناريوهات الممكنة كلها معقدة فدمجها الكامل في الدولة يواجه مقاومة بسبب فقدان الاستقلال والإبقاء على الوضع الحالي يعني استمرار الازدواجية وضعف السيادة أما التفكيك التدريجي فيتطلب توافقاً سياسياً وإقليمياً يصعب تحقيقه وهو ما يجعل الحلول محكومة بشروط معقدة تتجاوز الإرادة المحلية وحدها.
ليست القضية في الحكم على الفصائل بأنها جيدة أو سيئة، بل في فهم المعضلة الأعمق وهي كيف يمكن لدولة أن تبني سيادتها بينما تعتمد جزئياً على قوى خارج إطارها الكامل، فالفصائل المسلحة والحشد الشعبي يعكسان أزمة أوسع تتعلق ببناء الدولة في بيئة ما بعد الصراع حيث تختلط الضرورة الأمنية بالسياسة والشرعية بالقوة والوطني بالإقليمي ضمن نموذج الدولة الهجينة والسيادة المجزأة التي تجعل هذا الواقع معقداً ومفتوحاً على احتمالات متعددة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |