|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2026 / 3 / 31
لا يمكن الحديث عن مستقبل الثورات العربية دون مواجهة السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء كتلة تاريخية بديلة قادرة على كسر احتكار الدولة العميقة للسلطة والثروة؟ هذا السؤال يتجاوز نقد الإخفاقات السابقة، ويحاول استخلاص الدروس العملية التي يمكن أن توجه النضال في المرحلة المقبلة. فالانتفاضات العربية أثبتت أن إسقاط الرؤوس السياسية ممكن، لكنها أثبتت أيضاً أن هذا الإسقاط لا يكفي ما لم يترافق بتفكيك البنية العميقة للدولة والتحالف الطبقي الذي يقوم عليها. بناء كتلة تاريخية بديلة يعني بناء تحالف طبقي واجتماعي وسياسي قادر على تقديم مشروع شامل يتجاوز الرفض إلى البناء، ويجمع بين قوى اجتماعية متنوعة حول برنامج واضح، ويبني تنظيمات قادرة على إدارة الصراع الطويل وملء الفراغ الذي يخلفه انهيار الأنظمة.
الانتفاضات العربية كشفت عن طبيعة الدولة العميقة في المنطقة: تحالف معقد بين المؤسسة العسكرية-الأمنية، والبرجوازية الريعية المرتبطة برأس المال العالمي، والبيروقراطية الحكومية التي تدير شبكات الفساد والمحسوبية، والإعلام الرسمي الذي ينتج الوعي الزائف، والقضاء الذي يشرعن القمع. هذا التحالف لا يمكن كسره بمجرد تغيير الرؤوس أو تعديل الدساتير. إنه يتطلب تفكيكاً جذرياً لهياكله الاقتصادية والقمعية والأيديولوجية، وبناء بديل يعبر عن مصالح الطبقات المسحوقة. هذا التفكيك لا يمكن أن يتم من أعلى، عبر نخب جديدة تتسلم مواقع السلطة القائمة، بل يجب أن يتم من أسفل، عبر تنظيمات شعبية تبني سلطة بديلة بالتوازي مع نضالها لتحطيم السلطة القديمة.
بناء كتلة تاريخية بديلة يتطلب استيفاء ثلاثة شروط رئيسية: الوعي الطبقي الواضح، والتنظيم المرن القادر على استيعاب تنوع النضالات، والبرنامج السياسي-الاقتصادي الملموس الذي يحدد البديل. هذه الشروط الثلاثة تشكل معاً ركائز أي مشروع ثوري جاد في سياق المجتمعات العربية الراهنة.
الشرط الأول هو الوعي الطبقي الواضح. الانتفاضات العربية أثبتت أن الجماهير تمتلك وعياً متقدماً بطبيعة النظام الذي تعيش فيه، وأنها قادرة على التمييز بين العدو الحقيقي والصراعات الفرعية. لكن هذا الوعي ظل في كثير من الأحيان وعياً حدسياً، لم يتحول إلى وعي نظري واضح يربط بين المطالب اليومية والصراع الطبقي الشامل. بناء الوعي الطبقي يتطلب جهداً تعليمياً وتثقيفياً منظماً، يعيد قراءة الواقع من منظور مادي، ويكشف عن الطبيعة الطبقية للدولة والاقتصاد والمجتمع، ويربط بين تجارب الناس اليومية وتحليل بنيوي أوسع. هذا الجهد لا يمكن أن يترك للصدفة أو للعفوية، بل يحتاج إلى مؤسسات تعليمية بديلة، ومنصات إعلامية مستقلة، ونقاشات جماعية في مواقع العمل والأحياء. كما يحتاج إلى تطوير لغة نظرية واضحة تخاطب الجماهير بلغتها، وتترجم المفاهيم المجردة إلى واقع ملموس.
الشرط الثاني هو التنظيم المرن والقادر على استيعاب تنوع النضالات. لا يمكن بناء كتلة تاريخية بديلة من دون تنظيمات قادرة على تجميع الطاقات المتفرقة، وتوحيد النضالات الموضعية، وتوفير الحماية للجماهير في لحظات القمع. لكن التنظيم المطلوب اليوم يختلف عن النماذج التقليدية التي ورثناها من القرن العشرين. ففي ظل تشتت الطبقة العاملة في الاقتصاد غير الرسمي، وتنوع أشكال الاستغلال، وتعدد مواقع النضال، يحتاج التنظيم إلى أن يكون مرناً بما يكفي لاستيعاب هذا التنوع، ولا ينحصر في إطار نقابي أو حزبي واحد. هذا يتطلب شبكات تنظيمية تربط بين النضالات المختلفة (العمالية، النسوية، البيئية، الشبابية، الحقوقية) في إطار واحد، وتوفر قنوات للتواصل والتنسيق والقيادة المشتركة. كما يتطلب بناء كوادر قادرة على العمل في ظروف صعبة، وقيادة جماعية تتجنب مخاطر الفردانية والبيروقراطية.
الشرط الثالث هو البرنامج السياسي-الاقتصادي الملموس. لا يمكن لكتلة تاريخية بديلة أن تكتفي بالرفض والاحتجاج، بل يجب أن تقدم رؤية واضحة للبديل الذي تناضل من أجله. هذا البديل يجب أن يحدد خطوطه العريضة في مجالات متعددة: إعادة هيكلة علاقات الملكية عبر تأميم القطاعات الاستراتيجية وإخضاعها للرقابة الشعبية، إعادة توزيع الثروة عبر نظام ضريبي تصاعدي وخدمات عامة مجانية، بناء ديمقراطية اقتصادية تشاركية تقوم على مجالس العمال والمجتمعات المحلية، تفكيك الدولة الأمنية واستبدالها بمؤسسات مدنية خاضعة للمساءلة الشعبية، كسر التبعية للرأسمال العالمي عبر بناء قدرات إنتاجية وطنية وتخطيط اقتصادي ديمقراطي. هذا البرنامج يجب أن يكون قابلاً للترجمة إلى مطالب مرحلية يمكن النضال من أجلها في المرحلة الراهنة، وإلى أهداف استراتيجية طويلة المدى.
هذه الشروط الثلاثة لا تتحقق تلقائياً، ولا يمكن فرضها من أعلى. إنها تحتاج إلى عمل يومي شاق في مواقع العمل والأحياء والمؤسسات التعليمية والفضاءات الثقافية. تحتاج إلى بناء علاقات ثقة بين النشطاء والجماهير، وإلى تطوير قدرات القيادة والتنظيم، وإلى استعداد للتجربة والخطأ والتعلم من الإخفاقات. تحتاج أيضاً إلى صبر استراتيجي، لأن بناء كتلة تاريخية بديلة لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، بل هو عملية تراكمية قد تستغرق سنوات أو عقوداً.
في هذا السياق، تظهر أهمية بناء تحالفات عابرة للحدود تربط بين النضالات في مختلف الدول العربية. فالعدو المشترك، التحالف بين الدولة العميقة والبرجوازية الريعية والرأسمال العالمي، لا يعترف بالحدود التي رسمها الاستعمار وأعادت إنتاجها الأنظمة القطرية. لذلك، فإن النضال ضده يحتاج إلى تنظيمات عابرة للحدود، تتبادل الخبرات والتجارب، وتنسق المواقف والاستراتيجيات، وتبني وعياً عربياً وأممياً يتجاوز التجزئة التي تفرضها النخب الحاكمة. هذا التحالف العابر للحدود لا يلغي أهمية النضال الوطني في كل بلد، بل يضعه في إطار أوسع يدرك أن التحرر الوطني الحقيقي لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار التبعية الإقليمية والدولية.
كما تظهر أهمية بناء علاقة عضوية بين النضال السياسي والنضال الثقافي. لا يمكن للكتلة التاريخية البديلة أن تنتصر فقط عبر السيطرة على مؤسسات الدولة، بل تحتاج أيضاً إلى بناء هيمنة ثقافية في المجتمع، أي إلى قدرة على إنتاج المعنى والتأثير في الوعي الجماهيري. هذا يتطلب استثماراً في الإنتاج الثقافي (الأدب، السينما، الموسيقى، الفنون التشكيلية، الإعلام البديل) الذي يعبر عن تطلعات الطبقات الشعبية، ويقدم رؤية جمالية للعالم تتنافس مع رؤية النخب الحاكمة. كما يتطلب بناء مؤسسات تعليمية وثقافية بديلة، قادرة على إنتاج المعرفة وتنشئة الأجيال الجديدة على قيم العدالة والحرية والمساواة.
يكتب أنطونيو غرامشي في "دفاتر السجن": "الكتلة التاريخية هي وحدة جدلية بين البنية والفوقية، بين القوى المادية والقوى الثقافية، بين المصالح الطبقية والرؤية للعالم". بناء كتلة تاريخية بديلة في العالم العربي يعني بناء هذه الوحدة الجدلية في سياق جديد: ربط النضال من أجل تغيير علاقات الإنتاج بالنضال من أجل تغيير الثقافة والأيديولوجيا، ربط المطالب الاقتصادية المباشرة بالرؤية الاستراتيجية للمستقبل، ربط العمل اليومي في مواقع العمل والأحياء بالبناء التنظيمي والسياسي الأوسع. هذه المهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة، وهي المهمة التاريخية المطروحة على الأجيال الثورية القادمة.
النضال مستمر،،
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |