|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 3 / 31
في لحظات الانهيار البطيء للدولة لا تبدأ الأزمة من الخارج، بل من الداخل.
من تآكل الثقة، من فساد يتغلغل في مفاصل الحكم، من قيادة تفقد قدرتها على الإقناع وتستعيض عنها بأدوات السيطرة.
عند هذه النقطة تحديداً لا تكون المشكلة مجرد سوء إدارة، بل أزمة شرعية حقيقية لماذا تحكم هذه السلطة؟؟ وبأي حق؟؟
حين تفقد السلطة قدرتها على الإجابة عن هذا السؤال تبدأ بالبحث عن بدائل وأحد أخطر هذه البدائل هو الهروب إلى الخارج.
يشار الى هذا السلوك في علم السياسة بما يعرف بالإلهاء الخارجي حيث تلجأ الأنظمة المأزومة داخلياً إلى خلق أو تضخيم صراعات خارجية لصرف انتباه الرأي العام.
ليس الهدف دائماً خوض حرب شاملة، بل يكفي خلق حالة توتر، عدو دائم، أو تهديد مستمر يعيد ترتيب أولويات الناس من مساءلة السلطة إلى الخوف على البقاء.
هذه الدينامية لم تظهر من فراغ، بل يمكن تتبعها في تجارب تاريخية عديدة.
قبيل الحرب العالمية الأولى كانت الإمبراطوريات الأوروبية تعيش أزمات داخلية متصاعدة اضطرابات اجتماعية وصعود الحركات العمالية وتحديات قومية.
لم تكن الحرب حتمية لكنها جاءت في سياق أنظمة تبحث عن إعادة تعريف ذاتها عبر القوة بدل الإصلاح.
لكن من الخطأ اختزال الحروب في كونها مجرد مؤامرة اقتصادية أو مشروع لتجارة السلاح وصحيح أن شركات كبرى مثل لوكهيد مارتن ورايثيون تكنولوجيز تستفيد من النزاعات وأن اقتصاد الحرب أصبح قطاعاً ضخماً لكن هذا لا يعني أن هذه الشركات هي من تقرر الحرب.
يظل القرار السياسي نتاج شبكة معقدة من العوامل وهي أمنية، أيديولوجية، جيوسياسية، ونفسية.
مع ذلك لا يمكن إنكار أن الفساد الداخلي يخلق بيئة خصبة لاتخاذ قرارات كارثية، فالنظام الفاسد لا يرى الدولة ككيان عام، بل كغنيمة وحين تصبح الدولة غنيمة تتحول السياسة إلى أداة لحماية المصالح الضيقة حتى لو كان الثمن توريط المجتمع في صراعات مدمرة.
في هذه الحالة لا تعود الحرب خياراً عقلانياً بقدر ما تصبح امتداداً لفشل داخلي، فبدل معالجة البطالة يعاد تعريف الأزمة كتهديد خارجي وبدل مكافحة الفساد يتم شيطنة الخصوم واتهامهم بالعمالة وهكذا تتحول الدولة من فاعل يسعى للاستقرار إلى فاعل ينتج الأزمات.
لكن هل كل فساد يقود إلى حرب؟؟ الجواب لا.
هناك أنظمة فاسدة بقيت مستقرة لعقود لأنها نجحت في بناء توازنات داخلية عبر القمع أو شراء الولاءات أو حتى تقديم حد أدنى من الخدمات.
ما يجعل الحرب احتمالاً هو تلاقي الفساد مع عوامل أخرى مثل أزمة اقتصادية حادة، انقسام اجتماعي عميق، أو بيئة إقليمية متوترة.
خذ مثلاً الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد نتيجة لفساد داخلي، بل نتاج تفاعل بين أزمة اقتصادية عالمية وصعود أيديولوجيات متطرفة وفشل النظام الدولي في احتواء التوترات.
ومع ذلك لعبت هشاشة الداخل دوراً حاسماً في دفع بعض الأنظمة نحو خيارات عدوانية.
هنا نصل إلى نقطة جوهرية ليست المشكلة في المادية بحد ذاتها، بل في اختزال الإنسان والمجتمع إلى أدوات سواء كان الدافع اقتصادياً أو أيديولوجياً أو دينياً، فإن النتيجة واحدة حين تغيب المساءلة وهي تحويل الشعوب إلى وقود.
الشعوب في هذا الإطار تدفع الثمن مرتين، مرة حين تنهب مواردها في الداخل ومرة حين تستنزف في الخارج وبين النهب والاستنزاف تضيع الحقيقة، أن الأزمة لم تكن يوماً في العدو الخارجي بقدر ما كانت في بنية السلطة نفسها.
الخطير في هذا النمط أنه يعيد إنتاج نفسه، فالحروب لا تحل الأزمات الداخلية، بل تعمقها ومع كل جولة صراع تزداد هشاشة الدولة وتصبح أكثر اعتماداً على الخطاب التعبوي وأقل قدرة على الإصلاح وهكذا ندخل في حلقة مفرغة فساد يقود إلى أزمة وأزمة تنتج صراعاً وصراع يعيد إنتاج الفساد.
لا يمكن فهم الحروب فقط من خلال ما يحدث على الجبهات، بل يجب النظر إلى ما يحدث داخل الدول في مؤسساتها، في اقتصادها، في علاقتها مع مواطنيها.
فالدولة التي تفقد شرعيتها في الداخل تحمل بذور عدم الاستقرار إلى الخارج حتى لو لم تعلن الحرب صراحة.
الدرس الأهم هنا ليس أن كل نظام فاسد سيشعل حرباً، بل أن كل نظام يفشل في بناء شرعية حقيقية يظل عرضة للانزلاق نحو سياسات خطرة.
وعندما تتكرر هذه الحالات على مستوى دول عدة لا تعود المسألة مجرد أزمات محلية، بل تتحول إلى بيئة دولية قابلة للاشتعال.
وهنايصبح السؤال ليس لماذا تندلع الحروب؟؟
بل لماذا تفشل الدول في تجنبها رغم كلفتها الهائلة؟؟
والإجابة في كثير من الأحيان تبدأ من الداخل وتنتهي هناك أيضاً.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |