مزامير الماء /رواية / الفصل الثاني عشر

ذياب فهد الطائي
2026 / 3 / 29

عند الباب قال السائق:
-تفضّل، دكتور.
كنتُ كمن يعيش في حلمٍ لا يُصدَّق… أنا حر
لكن إلى متى؟
كل شيءٍ متوقف على طرد الحرس القومي من الشوارع، وعلى انتهاء نفوذ يحيى في التأثير على السلطة.
نزلتُ من السيارة، فاستدار السائق وهو يلوّح لي بيده. قبل أن أضغط على زر الجرس، التفتُّ في كل الاتجاهات. لم يكن هناك أثرٌ لأيٍّ من رجال الحرس القومي، والشارع خالٍ تمامًا.
كنتُ مرتابًا؛ فبعد شهور السجن الانفرادي والوحدة والوجع، لم أعد قادرًا على التواصل حتى مع أعدائي.
كان الصمت يلفّ المنطقة، وكأن الجميع أغلقوا أبوابهم بانتظار ما سيقع. من بعيدٍ سُمعت طلقاتٌ متفرقة... لقد انتهى عهد الحرس القومي.
شعرتُ براحةٍ غامرة دفعتني لأن أضغط على الجرس.
سمعتُ صوت باسل من خلف الباب الداخلي:
-من؟
أنا... الدكتور جواد.
-جواد؟
-نعم، ابن الشيخ عبد السلام.
كان باسل يقف خلف الباب الداخلي المفتوح قليلاً، وصوته مشحون بتوترٍ ممزوجٍ بالقلق. لم يذهب إلى العمل، فذلك اليوم كان الثامن عشر من تشرين الثاني، كان واحدًا من الأيام العصيبة التي مرّت على بغداد بعد البيان الرسمي الذي أذاعته الإذاعة والتلفاز:
إطلاق الرصاص الحي والمباشر على أية مجموعةٍ من الحرس القومي ترفض الاستسلام وتسليم أسلحتها للقوات المسلحة.
تقدّم باسل بتردّد وفتح الباب الخارجي.
-هل أنت بمفردك؟
-نعم، لا أحد معي.
تجاوزني بنظره نحو الطريق، ثم قال
-أهلاً، دكتور.
لاحظت أن طريقة استقباله كانت باردة، لكنه سرعان ما أمسك بكلتا يديّ وجذبني إليه.
كانت سوسن تقف على عتبة الباب الداخلي، ترتدي جلابية بيضاء تلامس كاحليها، وبأكمامٍ حتى المعصمين. ما إن رأتني حتى باغتها البكاء، شبكت يديها إلى صدرها وتقدّمت نحوي بخطواتٍ متردّدة. لم تتكلم، فقد كان نشيجها يأخذ منها الكلام. أمسكت بيدي وقادتني إلى الداخل.
شعرت بحرارة كفها، وببقايا دموعٍ لم تجفّ بعد.
وقفتُ على العتبة متجمّدًا بين ماضٍ أغلقوه عليّ خلف القضبان، وحاضرٍ أتنفّس فيه الهواء لأول مرة دون إذنٍ من أحد.
رأيتها...
كم ليلةً تخيّلتُ هذا اللقاء وأنا على الإسمنت البارد، أُحادث الجدران عن عينيها، عن وعدٍ لم يخمد رغم العتمة.
الآن كل شيءٍ أمامي حقيقة
الضوء المتسلّل من النافذة، رائحة القهوة التي لم تبرد بعد، صدى اسمي على شفتيها المرتجفتين
فقدتُ القدرة على الكلام. الكلمات خانتني كما خانتني الأيام من قبل.
وقفتُ وسط الغرفة كأنني أخشى أن تفرّ اللحظة مني، ثم ابتسمتُ ابتسامةً متعبة... ابتسامةَ رجلٍ خرج من ليلٍ طويل إلى نهارٍ مشعّ بالبكاء.
كانت غرفة الاستقبال تضجّ بفرحةٍ ممزوجة بالدهشة. وقفت أمّها مرتبكة وهي ترى ابنتها موزّعة بين الفرح والخوف.
حين جلستُ، أحسست أني فعلاً حرّ. بدأ جسدي يسترخي وأنا أحتسي فنجان القهوة الساخن. كنتُ أعشقها هكذا، تغلي بين أصابعي، رغم تحذيرات أمي الدائمة.
قالت أم سوسن:
-كان يحيى يطمئننا عليك دائمًا.
شعرتُ بأن كل العذابات التي مرّت بي تتشبّث بي من جديد.
-يحيى هو بلوتي وبلائي، قلتها بمرارة.
لم تفهم، فالتفتت إلى باسل.
قال باسل:
-ماما، الدكتور جواد يقول إن سبب اعتقاله هو يحيى.
شهقت الأم، وفي عينيها صدمة.
-كيف؟
-كان يحيى يترأس اللجنة التحقيقية.
قال باسل سريعًا:
-لاحقًا نناقش كل هذا، الآن علينا أن نبحث عن مكانٍ آمن تحسّبًا للطوارئ.
قالت بهدوء:
-سأذهب إلى الناصرية هذا المساء... بالقطار، فالتدقيق هناك أقل.
قال باسل:
-يمكنني أن أرتّب لك حجزًا في الدرجة الأولى، فابن مدير الحسابات عندنا يعمل في مكتب قطع التذاكر.
قالت سوسن برجاءٍ خافت
-لا أجد داعيًا للاستعجال، يمكن أن نؤجّل الموضوع إلى الغد.
كانت نبرتها ترجّي أكثر مما تقترح، كأنها تريد أن تقول إنها لم تشبع من رؤيتي بعد.
ثم قالت:
-هل يمكن أن أرافقك إلى الناصرية؟ لستُ مطمئنة! التدقيق أقل حين يكون المسافر مع عائلته.
قالت أمها بحزم:
-قطعًا لا.
قال باسل وهو ينهض:
-تمّ حجز غرفةٍ في الدرجة الأولى.
قالت سوسن:
آسفة، نسيت أن أخبرك أني جمعت كل حاجياتك من الغرفة في المستشفى، ومن ضمنها الهوية التي تحمل عنوان طبيب تحت التدريب. أظنها كافية.
قالت بتأثّر:
-أعجز عن شكركم جميعًا.
قال باسل:
-يمكنك الآن أن تأخذ حمامًا ساخنًا، وأن تحلق لحيتك، رغم أنها تزيدك مهابة.
قالت سوسن مبتسمة:
-البذلة الزرقاء والقمصان والبيجامة الجديدة التي وجدتها في غرفتك عندي.
قال جواد
-هل يمكنني الاتصال بعمي في الناصرية لينتظرني في محطة أور؟
قالت سوسن:
-الأفضل أن أتصل به.
في طريقهم إلى المحطة العالمية، جلس باسل خلف المقود، يتفحّص المرايا بقلق، يشكّ أن الحرس القومي لم يُهزم تمامًا، وأن التحالفات قد تتغيّر في أية لحظة.
أما سوسن التي جلست في المقعد الخلفي فكانت شاردة، تغمض عينيها أحيانًا، وكأنها تريد أن تحتفظ في ذاكرتها بصورة هذا اللقاء الذي كان حتى الأمس مستحيلاً.
عند مدخل المحطة، في بداية الممر المؤدي إلى القطار المتجه إلى البصرة، جلس شرطي على كرسي حديدي وأمامه منضدة خشبية.
أخذ يراجع التذاكر أولًا، ثم الهويات.
ناولَه جواد هويته، فتطلع فيها على عجلٍ ثم قال بابتسامةٍ خفيفة:
-تفضل، دكتور.
لوح له باسل وارسلت سوسن قبلة ، وهو يصعد العربة واجهه المسؤول عن خدمة الركاب
-التذكرة أستاذ لأرشدك الى غرفتك
سلمه التذكرة وخمس دنانير ،كانت ردة الفعل تكشف عن دهشة واستغراب وظل فرح برزق غير متوقع
-اهلا أستاذ ،انا المسؤول عن خدمتك .....عشاء خاص ،بيرة مثلجة
-شكرا ....لا هذا ولا ذاك ....أشعر بنعاس شديد ،ارجو اعلامي حين نصل اور
-بكل ممنونية
ما ان اطلق القطار صافرة التحرك حتى شعر ت باني نعسا ، ارتميت على السرير بكامل ملابسي ، كانت الشراشف البيضاء نظيفة ، رددت الحرية ترف لا نقدره
لحظات على تحرك القطار كان هناك طرقا على الباب
-أستاذ هل انت مرتاح للفراش ؟ يمكن ان ابدله فورا
-لا حاجة شكرا اشعر بالنعاس ...تصبح على خير
حوالي الثانية عشر ليلا كان هناك طرقا شديدا على الباب
-أستاذ نحن في اور والقطار على وشك المغادرة
-شكرا
حمل شنطته الصغيرة ونزل
على الرصيف كان عمه عبد الكريم بطوله الفارع يلتف حوله اكثر من عشرين شخصا
تقدم عمه عيناه مغر ورقتان واحتضنه
-اهلا بشيخ البو هيال
شعر بان فيما سمعه يكمن شيئا لا يرغب بمعرفته
في السيارة التي كان ورائها رتلا من سيارات المستقبلين
-عمي هل حصل مكروه لابي
-البقية في حياتك
حينما كلمتني سوسن قلت لها ان ابي قد توفي ولهذا قد اضطر الى البقاء بضعة أيام قالت :اعرف ذلك...:كنت اتواصل مع عمك واخبرني
في قرية البو هيال كان الاستقبال حافلا ...الاعلام العراقية وعلم البوهيال الذي صمه جدي الشيخ سلطان ....معلمو المدرسة الابتدائية والملا مهودر يقف حزينا وهو يغالب دمعه..اطفال القرية تعلوا وجوههم ابتسامة عريضة ...فكرت بانهم يعتقدون اني بطل حارب سلطة بغداد ،في قرارتي شعرت بالاحراج ،
في الوليمة الكبيرة التي حضرها كامل رجال البو هيال والشيخ عيادة وثلاثة من أولاده
قال عمه- لابد ان نعلن عن الشيخ لألبوا هيال ، من جانبي انا اتنازل عنها لابن اخي الدكتور جواد فهو اول طبيب فينا وأول سياسي ونحن نعرفه
شعر جواد انه فوجئ بما لم يكن في مخططاته
-اشكر عمي واشكركم ولكني اعتذر وارى ان ابن عمي ،جبر مناسب تماما فهو الذي تنطبق عليه شروط جدنا هيال
بعد مناقشات تم ذلك
يعتقد جواد بان هذا الاجراء سيسهل عليه تحقيق حلمه بالالتحاق بجامعة لندن مصطحبا سوسن ليؤسس لحياة جديدة ليس فقط من اجل نصر شخصي وانما ليعمل في مجال يخدم به الناس الذين احبهم

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي