|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 3 / 26
من خان فلسطين انور السادات أم ايران أم صلاح الدين الأيوبي؟!
يبدو هذا السؤال مباشراً وحاسماً لكنه في جوهره يقوم على افتراض غير واضح ويخفي تعقيداً أكبر، فهذه الصيغة تفترض أن تاريخاً معقداً وممتداً يمكن اختزاله في فعل خيانة صادر عن فرد أو دولة بينما تكشف القراءة الموضوعية أن القضية الفلسطينية هي نتاج تداخل طويل بين التاريخ والاستعمار والسياسة الدولية والتحولات الإقليمية.
لذلك فإن أي محاولة لفهم ما جرى لا بد أن تنطلق من تجاوز الأحكام الأخلاقية المبسطة نحو تحليل موضوعي وعلمي يجمع بين البعد التاريخي والسياسي والاستراتيجي والاجتماعي دون أن يقصي البعد الأخلاقي، بل يعيد وضعه في إطاره الصحيح.
عند استحضار شخصية مثل صلاح الدين الأيوبي لا يكون الهدف إجراء مقارنة تاريخية حرفية، بل استدعاء نموذج ينظر إليه بوصفه تجسيداً لانسجام نادر بين الهدف السياسي والسلوك العملي.
فقد ظهر في فترة عالم منقسم حيث كانت القوى الإسلامية تعاني من التفكك في مواجهة وجود صليبي مستقر في قلب المنطقة.
ما قام به لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل عملية إعادة بناء تدريجية للتوازن بدأت بتوحيد قوى متفرقة وإعادة ترتيب الأولويات وتحييد الصراعات الثانوية.
وعندما جاءت لحظة الحسم لم تكن نتيجة اندفاع عاطفي، بل ثمرة تكيف عميق مع معطيات عصره ففي هذا المعنى لا يفهم التكيف بوصفه تنازلاً، بل شرطاً لتحقيق الهدف حيث لم يتعارض الثبات على الغاية مع المرونة في الوسائل غير أن هذا النموذج على قوته الرمزية ينتمي إلى سياق تاريخي مختلف جذرياً عن السياق الحديث.
فالقضية الفلسطينية لم تتشكل في إطار صراع تقليدي بين قوى إقليمية متقاربة، بل في سياق انهيار الإمبراطوريات وصعود الاستعمار الأوروبي حيث أعيد تشكيل المنطقة وفق مصالح القوى الكبرى.
لقد أسس وعد بلفور والانتداب البريطاني لبنة سياسية جديدة مهدت لقيام إسرائيل وهو ما يعني أن جذور القضية ترتبط منذ البداية باختلال عميق في ميزان القوى لا بقرارات لاحقة فقط.
وعندما وقعت نكبة سنة 1948 لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل لحظة تأسيس لنظام إقليمي جديد دخلت فيه القضية الفلسطينية ضمن شبكة من التوازنات الدولية المعقدة.
يصبح مفهوم التكيف في هذا الإطار أكثر إشكالية مما يبدو عليه في ظاهره، فالقادة والدول في العصر الحديث لا يتحركون في فراغ، بل ضمن نظام دولي يفرض قيوداً صارمة تتعلق بالاقتصاد والتحالفات والشرعية السياسية.
هنا يبرز مثال التحول الذي قاده أنور السادات حين قرر الانتقال من منطق الصراع العسكري الشامل إلى مسار التسوية.
وهو القرار يمكن فهمه بوصفه محاولة لإعادة تعريف المصالح الوطنية في ظل واقع داخلي ضاغط وتحولات دولية كبرى لكنه في الوقت ذاته أعاد تشكيل موقع مصر في الصراع وأثر على البنية الجماعية للموقف العربي.
المفارقة أن الفعل ذاته يمكن أن يقرأ كتكيف عقلاني أو كتراجع استراتيجي بحسب زاوية النظر والمعايير المعتمدة.
ينطبق الأمر نفسه على أدوار إقليمية لاحقة حيث تتداخل الشعارات مع الحسابات فبعض القوى رفعت خطاباً داعماً لفلسطين وقدمت دعماً فعلياً في بعض الحالات لكنها في الوقت ذاته دمجت القضية ضمن استراتيجيات أوسع تتعلق بالنفوذ والتوازنات الإقليمية.
هذا التداخل بين المبدأ والمصلحة لا يعني بالضرورة وجود نية خيانة لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حدود الالتزام الحقيقي بالقضية وحول الفارق بين استخدامها كأولوية سياسية أو كورقة ضمن صراعات أخرى.
على المستوى الاجتماعي يكتسب هذا النقاش بعداً أعمق إذ يعكس استدعاء نماذج تاريخية مثل صلاح الدين حاجة جماعية إلى مرجعية أخلاقية واضحة في مواجهة واقع طويل من الإخفاقات.
المجتمعات التي تعيش صراعاً ممتداً دون حسم تميل إلى البحث عن لحظات نقية في التاريخ وتستحضر بوصفها دليلاً على إمكانية الانتصار حين تتوافر الإرادة والصدق.
وفي المقابل فإن غياب النتائج الملموسة في الحاضر يعزز الشعور بأن هناك خللاً يترجم غالباً إلى اتهامات بالتجارة بالقضية أي استخدامها لتحقيق مكاسب سياسية دون تحقيق تقدم فعلي.
غير أن هذا التفسير رغم ما يحمله من وجاهة يظل جزئياً إذا لم يُدعّم بفهم البنية المعقدة التي تعمل ضمنها الدول الحديثة.
فالفعل السياسي اليوم لا يقاس فقط بالنوايا، بل بقدرة الفاعل على التحرك ضمن شبكة من القيود الصارمة.
قد يكون الهدف أخلاقياً وواضحاً لكن تحقيقه يتطلب أدوات قوة غير متاحة دائماً أو يواجه بتوازنات دولية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
وفي هذا الإطار ينشأ التوتر الدائم بين المثال والواقع بين ما ينبغي أن يكون وما يمكن تحقيقه فعلياً.
هنا تحديداً تبرز أهمية إعادة تعريف العلاقة بين الأخلاق والاستراتيجية فالأخلاق في السياسة ليست بديلاً عن القوة لكنها أيضاً ليست مجرد خطاب تجميلي.
تشير التجربة التاريخية إلى أن النجاح يتحقق حين يحدث نوع من التوازن بين الاثنين حيث لا تنفصل الوسائل عن الغايات ولا تختزل الغايات في مجرد شعارات وهذا ما يمنح نموذج صلاح الدين قوته الرمزية لا لأنه قابل للاستنساخ، بل لأنه يعبر عن حالة نادرة من الاتساق بين الرؤية والفعل.
تكشف التجارب الحديثة عن صعوبة تحقيق هذا الاتساق في عالم معقد حيث تتداخل المصالح وتتشابك الضغوط فبعض الفاعلين حاولوا التكيف مع هذا الواقع فحققوا مكاسب جزئية لكنها جاءت أحياناً على حساب البعد الجماعي للقضية وبعضهم تمسك بخطاب مبدئي دون أن يمتلك أدوات تحقيقه ما أدى إلى فجوة بين القول والفعل.
وبين هذين المسارين نشأت مساحات رمادية يصعب تصنيفها ضمن ثنائية الحفاظ أو التجارة.
إن اختزال هذا التعقيد في سؤال أخلاقي مباشر قد يكون مفهوماً من الناحية النفسية لكنه لا يساعد على الفهم، بل يعيد إنتاج المشكلة في صورة مبسطة.
لذلك فإن السؤال الأكثر دقة ليس من خان أو من حافظ، بل كيف تفاعلت قرارات الفاعلين المختلفين ضمن شروط تاريخية وسياسية محددة وكيف أثرت هذه القرارات في مسار القضية.
في المحصلة النهائية لا يمكن إنكار أهمية البعد الأخلاقي في تقييم السياسات لكنه لا يكون منتجاً إلا إذا اقترن بفهم واقعي لطبيعة القوة والقيود.
فالقضية الفلسطينية بما تحمله من رمزية وعدالة لا تحتاج فقط إلى استدعاء نماذج الماضي، بل إلى قراءة الحاضر بوعي نقدي قادر على التمييز بين الالتزام الحقيقي والتوظيف السياسي وبين التكيف الضروري والتنازل غير المبرر.
وفي هذا التوازن الصعب يتحدد المعنى الفعلي لأي موقف بعيداً عن الأحكام الجاهزة وقريباً من تعقيد الواقع كما هو.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |