صنم الخارج ومورفولوجيا الدولة: الدستور بين سيف الغلبة وميزان المصالحة

احمد كانون
2026 / 3 / 26

لا تُولد سيادة الدول في فراغ رومانسي، بل في ساحات استقطاب جيوسياسي دامية. الصراع الداخلي (يمين/يسار) سرعان ما يستدعي "الخارج" كصنم براغماتي يُعبد لترجيح كفة على أخرى. وفي نهاية المطاف، لا يكون "الدستور النهائي" الذي يشكل هيكل الدولة مجرد عقد اجتماعي مثالي، بل هو انعكاس صارم لنتائج المعركة؛ إما وثيقة تُكرّس "الغلبة" الساحقة لمنتصر حسم صراعه بالحديد والنار (والحليف الأجنبي)، أو وثيقة "مصالحة" تفرضها توازنات العجز المتبادل أو غياب التدخل الخارجي.

إن القراءة المتأنية لتاريخ بناء الدول تكشف أن الأيديولوجيا غالباً ما تكون قناعاً لكيمياء المصالح. عندما يحتدم الصراع الداخلي، تذوب الحدود الوطنية، ويتحول التدخل الخارجي من "خيانة" إلى "ضرورة بقاء". لكن الأهم من سيرك المعارك هو "اليوم التالي" للحرب؛ حيث تُصاغ هوية الدولة وشكلها النهائي في نصوص دستورية. هذا الدستور ليس سوى الترجمة القانونية لمنتصر فرض إرادته (الغلبة!!)، أو أطراف أنهكها الصراع فارتضت اقتسام الكعكة (المصالحة!!).
وهنا نستعرض مختبرات التاريخ والواقع لتشريح هذه الجدلية:

١. إسبانيا (1936-1939): مختبر الاستقطاب ودستور "الغلبة المطلقة"
في المسلخ الإسباني، استدعى اليمين المحافظ الآلة العسكرية النازية والفاشية، بينما تُرك اليسار الجمهوري ليختنق بـ"الحياد الغربي" ويرتهن لستالين الذي مزقه من الداخل. النتيجة كانت سحقاً تاماً لليسار. شكل الدولة الناتجة كان ديكتاتورية شمولية، ودستورها لم يكن سوى وثيقة "غلبة" قاطعة صاغها فرانكو بحراب المنتصرين، مؤسساً لدولة عسكرية أقصت خصومها تماماً من الوجود السياسي.

٢. اليونان (1946-1949): سقوط الأيديولوجيا ودستور "الإقصاء"
في حربها الأهلية، أثبتت اليونان أن الانتماء للمعسكرات أقوى من الأيديولوجيا. تخلى السوفييت عن اليسار اليوناني بصفقة مع تشرشل، بينما حسم اليمين المعركة بضخ السلاح والمال الأمريكي (مبدأ ترومان). الدولة الناتجة كانت رأسمالية تابعة للغرب، والدستور النهائي بُني على "الغلبة" الصريحة التي جرّمت اليسار لعقود، لتصبح وثيقة التأسيس انعكاساً لانتصار المحور الأمريكي.

٣. سويسرا (1847): "الفراغ المحمي" ودستور "المصالحة"
على عكس سابقاتها، حُسم صراع سويسرا (حرب السوندرابوند) بين الليبراليين والمحافظين في بيئة معزولة جيوسياسياً بفضل مماطلة بريطانيا التي منعت تدخل فرنسا والنمسا. هذا "الفراغ المحمي" أدى لانتصار سريع لليبراليين، لكن الأهم هو شكل الدولة الناتجة؛ فلم يلجأ المنتصرون لسحق المهزومين، بل صاغوا دستور 1848 الفيدرالي القائم على "المصالحة" والتوافق، ليؤسسوا أهدأ وأكثر دول أوروبا استقراراً.

٤. فرنسا (1871): كوميديا الطبقية وتأجيل المصالحة
في فرنسا، تعرت الوطنية أمام المصالح الطبقية. حين استولت "كومونة باريس" العمالية على السلطة، لم يتردد اليمين الفرنسي (حكومة فرساي) في التحالف مع جيش الاحتلال البروسي لسحق أبناء وطنه. شكل الدولة الناتجة (الجمهورية الثالثة) بُني في بداياته على "غلبة" طبقية برجوازية ساحقة، ولم تأتِ دساتير المصالحة الاجتماعية إلا لاحقاً وبعد مخاضات عسيرة.

٥. ليبيا ومصر: إعادة الإنتاج في المختبر العربي
ليبيا (الدستور المفقود): تحولت لساحة استقطاب مفتوحة تعج بمرتزقة عواصم العالم. استدعى الجميع الخارج، فأصبح الخارج هو المرجح البيولوجي. النتيجة: غياب شكل نهائي للدولة، وتعذر كتابة دستور؛ لأن توازن الضعف بين الميليشيات وحلفائها الدوليين يمنع "الغلبة" التامة، ويفشل حتى الآن في إنتاج "مصالحة" حقيقية.
مصر (دستور الغلبة المؤسسية): امتصت مصر صدمة التدخلات بفضل "الكتلة الصلبة" للدولة. تم استبعاد الفصائل التي حاولت تفكيك هذه الكتلة، وفرضت الدولة احتكارها للقوة. شكل الدولة الناتجة هو دولة مركزية صلبة، ودستورها النهائي بُني على "غلبة" مؤسسات الدولة التاريخية وتوجهاتها الوطنية، مما مكنها من التحول لفاعل جيوسياسي يرسم خطوطاً حمراء في الإقليم (مثل سرت-الجفرة).

اذاً من السردية التاريخية السياسية نستخلص: أن الدساتير لاتكتب بحبر الأماني، بل بدماء المعارك وموازين القوى الخارجية والداخلية. من يستدعي الخارج لإنقاذه، يرهن شكل دولته ومضمون دستورها لإرادة هذا الخارج. وفي النهاية، الدستور هو "فاتورة" تُسدد؛ إما كإعلان "غلبة" يُقصي المهزوم ويحمي مصالح المنتصر وحلفائه، أو كعقد "مصالحة" يوزع النفوذ لتجنب الفناء المشترك. البقاء ليس للأكثر نبالة، بل لمن يتقن ترويض صنم الخارج لصياغة وثيقته الداخلية.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن