|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
حسين علي محمود
2026 / 3 / 25
يقول الكاتب والمترجم الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس "كرة القدم شعبية لأن الغباء شعبي، إنها أحد أكبر جرائم إنكلترا، فهي تُثير عاطفةً غبية وقومية زائفة."
قد تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى قاسية أو حتى متعالية لكنها في عمقها ليست حكماً أخلاقياً بقدر ما هي قراءة نقدية لطبيعة الجماهير وللكيفية التي يمكن أن تتحول بها الممارسات الجماعية مهما بدت بريئة إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي وتوجيهه.
إن جوهر هذه الفكرة لا يكمن في إدانة الرياضة بحد ذاتها، بل في التحذير من ظاهرة أوسع وأكثر تعقيداً وهي ظاهرة الإلهاء الجماهيري.
فالإلهاء ليس مجرد ترفيه عابر، بل يمكن أن يتحول إلى آلية ناعمة لإدارة الانتباه العام وتحديد ما يجب أن يرى وما ينبغي أن يهمل وحين تتراكم هذه الآليات يصبح من الممكن إعادة ترتيب أولويات المجتمعات دون أن تشعر بذلك.
في المجتمعات الحديثة لم يعد الترفيه نشاطاً ثانوياً أو هامشيا، بل أصبح صناعة ضخمة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع التأثيرات السياسية والثقافية.
كرة القدم على سبيل المثال لم تعد مجرد لعبة تمارس في الملاعب، بل تحولت إلى منظومة متكاملة من البث الإعلامي والإعلانات والرعاية التجارية والرموز الوطنية.
هذا التحول جعلها قادرة على حشد مشاعر الملايين في لحظة واحدة وعلى خلق حالة من الانغماس الجماعي الذي يطغى على أي حدث آخر.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً، ماذا يحدث عندما تستثمر هذه القدرة الهائلة على جذب الانتباه في توجيه الوعي؟؟ حين تغرق المجتمعات في سيل متواصل من المباريات والتحليلات والنقاشات الرياضية فإن ذلك لا يستهلك الوقت فقط، بل يستهلك أيضاً الطاقة الذهنية.
يمتلك الإنسان بطبيعته قدرة محدودة على التركيز والانتباه وإذا ما تم استنزاف هذه القدرة في متابعة التفاصيل اليومية للأحداث الترفيهية فإنه يفقد تدريجياً القدرة على التفكير في القضايا الأعمق.
وهنا تكمن خطورة الإلهاء فهو لا يمنع التفكير بشكل مباشر، بل يجعله غير ممكن من الناحية العملية.
لا أحد يمنع الفرد من التفكير في قضايا مجتمعه أو مستقبله لكن كثافة الضجيج المحيط به تجعل هذا التفكير مؤجلاً باستمرار.
دائماً هناك مباراة قادمة أو حدث جديد أو نقاش ساخن يستدعي المتابعة ومع مرور الوقت يتحول التأجيل إلى عادة وتتحول العادة إلى نمط حياة.
تلعب وسائل الإعلام دوراً مركزياً في هذا التحول فهي لا تكتفي بعرض الأحداث، بل تعيد تشكيلها بطريقة تجعلها أكثر إثارة وجذباً.
على سبيل المثال لم يعد التحليل الرياضي مجرد شرح فني للمباراة، بل أصبح عرضاً درامياً مليئاً بالانفعالات والتوقعات والجدل.
هذا الأسلوب لا يهدف فقط إلى نقل المعلومات، بل إلى إبقاء المشاهد في حالة ترقب دائم بحيث يصبح من الصعب عليه الانفصال عن هذا التدفق المستمر.
ولا يقتصر الأمر على الرياضة، بل يمتد إلى مختلف أشكال الترفيه المعاصر مثل برامج الواقع والمسابقات ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي جميعها تعتمد على مبدأ واحد وهو جذب الانتباه لأطول فترة ممكنة.
ومع تطور التكنولوجيا أصبحت هذه العملية أكثر دقة وفعالية حيث تصمم المحتويات بناء على اهتمامات المستخدمين وتقدم لهم بطريقة تجعلها شبه إدمانية.
في ظل هذا الواقع تتغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة حيث لم يعد الوصول إلى المعلومات هو المشكلة، بل أصبح التمييز بين ما هو مهم وما هو هامشي هو التحدي الحقيقي.
فحين تتساوى في الحضور قضايا مصيرية مع أحداث ترفيهية يصبح من السهل أن يفقد الفرد القدرة على تحديد أولوياته.
وهنا يتحقق ما يمكن وصفه بالتسطيح المعرفي حيث تختزل القضايا الكبرى إلى مجرد عناوين عابرة بينما تمنح التفاصيل الترفيهية مساحة واسعة من النقاش والاهتمام.
لكن من المهم التأكيد أن المشكلة ليست في كرة القدم أو في الترفيه بحد ذاته.
فالإنسان بحاجة إلى الترفيه وإلى مساحات للهروب المؤقت من ضغوط الحياة ففي كثير من الأحيان تخلق الرياضة شعوراً بالانتماء وتوفر متنفساً نفسياً وتجمع الناس حول تجربة مشتركة هذه الجوانب لا يمكن إنكارها أو التقليل من قيمتها.
تظهر الإشكالية الحقيقية عندما يتحول الترفيه من وسيلة إلى غاية ومن جزء من الحياة إلى بديل عنها فحين يصبح الاهتمام بالمباريات أهم من متابعة الشأن العام أو حين تتقدم نتائج الفرق على قضايا التعليم والاقتصاد والعدالة فإننا نكون أمام خلل في ترتيب الأولويات.
هذا الخلل لا يحدث فجأة، بل يتشكل تدريجياً عبر تراكمات صغيرة يصعب ملاحظتها في حينها.
ومن هنا يمكن قراءة مقولة بورخيس بوصفها دعوة إلى اليقظة أكثر منها إدانة وهي تنبيه إلى أن العاطفة الجماهيرية حين تفصل عن الوعي النقدي يمكن أن تتحول إلى أداة للتوجيه بدل أن تكون تعبيراً حراً عن الانتماء. القومية التي تبنى على نتائج المباريات ليست قومية حقيقية، بل حالة عاطفية مؤقتة تزول بزوال الحدث ولا تترجم إلى وعي أو عمل فعلي.
إن التحدي الذي يواجه المجتمعات اليوم ليس في التخلص من الترفيه، بل في إعادة التوازن.
كيف يمكن للإنسان أن يستمتع بالمباراة دون أن يفقد اهتمامه بما هو أهم؟؟
كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تقدم محتوى جذاباً دون أن تسقط في فخ التسطيح؟؟
وكيف يمكن للأفراد أن يستعيدوا قدرتهم على التفكير النقدي في عالم مليء بالمشتتات؟؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة لكنها تبدأ من وعي بسيط أن الانتباه مورد ثمين وأن الطريقة التي نستهلك بها وقتنا واهتمامنا تحدد إلى حد كبير نوعية حياتنا ومستقبلنا. حين يدرك الإنسان هذه الحقيقة يصبح أكثر قدرة على اختيار ما يتابعه وعلى مقاومة الانجراف وراء كل ما يعرض عليه.
لا يمكن فصل مسألة الإلهاء عن مسألة الحرية، فالفرد الذي لا يمتلك القدرة على توجيه انتباهه لا يمتلك بشكل كامل حريته الفكرية.
ومن هنا فإن استعادة هذه القدرة ليست مجرد مسألة ثقافية، بل هي أيضاً مسألة وجودية تتعلق بكيفية فهم الإنسان لذاته ولدوره في العالم.
وهكذا تبقى كلمات بورخيس رغم حدتها تذكيراً مهماً بأن ما يبدو بسيطاً أو بريئاً قد يحمل في طياته تأثيرات عميقة. ليست كرة القدم هي المشكلة، بل ما يمكن أن تستخدم من أجله.
وبين الترفيه الذي يثري الحياة والإلهاء الذي يفرغها من معناها يقف الإنسان أمام خيار دائم وهو أن يكون واعياً أو أن يكتفي بالمشاهدة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |