الصراع الامريكي الصيني في ساحة إيران

حسين علي محمود
2026 / 3 / 24

يركز الجميع اليوم على إيران، إسرائيل، الشرق الأوسط ويتابعون الأخبار العسكرية والسياسية والضربات المتبادلة لكن هذا التركيز السطحي يغفل الصورة الأكبر للصراع العالمي.
ما يحدث ليس مجرد أزمة إقليمية أو ملف نووي أو صراع عسكري بين دول، بل هو جزء من صراع عالمي بين قوتين وهما القوة القائمة تمثل الولايات المتحدة والقوة الصاعدة تمثل الصين.
الأحداث في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وحتى أوروبا وآسيا ليست منفصلة، بل هي مسارح متعددة لعرض صراع واحد على مستقبل النظام الدولي حيث تتحدد من خلاله موازين القوة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.
الفكرة الأساسية مستوحاة من نظرية "راي داليو" للاقتصادي الأمريكي التي تقول إنه عندما تهدد قوة صاعدة موقع القوة المهيمنة يصبح الصدام شبه حتمي.
هذا النمط التاريخي تكرر عدة مرات فقبل الحرب العالمية الأولى اقتربت ألمانيا من تهديد موقع بريطانيا في أوروبا مما أدى إلى صراع شامل.
قبل الحرب العالمية الثانية صعدت اليابان في مواجهة الولايات المتحدة في المحيط الهادئ ومع الاتحاد السوفيتي شكلت الحرب الباردة نموذجا آخر لصراع القوى القائمة مع القوى الصاعدة.
يتكرر اليوم النمط ذاته لكن بأدوات جديدة وغير تقليدية حيث لم تعد الحروب تخاض بالسلاح فقط، بل عبر الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والسيطرة على الممرات التجارية الحيوية.
تعتبر الصين اليوم هي مصنع العالم لكنها تواجه نقطة ضعف استراتيجية مهمة وهي اعتمادها على الخارج لتأمين الطاقة. إذ تستورد نحو ثلاثة أرباع حاجتها النفطية ما يجعل اقتصادها مرهونا باستمرار تدفق النفط والغاز من الخارج. هذه الحقيقة تحول النفط من مجرد سلعة إلى أداة ضغط سياسية واستراتيجية.
الدول الأساسية في شبكة إمداد الطاقة للصين هي فنزويلا وإيران وروسيا والسعودية وكل تحرك أو ضغط على هذه الدول ينعكس مباشرة على قدرة الصين على الاستمرار في النمو بنفس الوتيرة وعلى قدرتها على المنافسة الاقتصادية العالمية.
ما يبدو من خارج المنظور كأزمات منفصلة هو في الواقع جزء من استراتيجية مدروسة لإبطاء صعود الصين دون الدخول في مواجهة مباشرة معها.
الضغط على هذه الدول لا يقتصر على العقوبات الاقتصادية فقط، بل يشمل خلق أزمات سياسية وعزلة دولية وتهديد الاستقرار الداخلي وهو ما يحد من قدرة هذه الدول على تصدير نفطها بحرية.
فعندما يتم تعطيل صادرات فنزويلا وإيران النفطية وفرض قيود على روسيا وإدارة إنتاج السعودية ضمن التوازنات الدولية فإن المحرك الاقتصادي الصيني يفقد جزء مهما من وقوده ويصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية.
هذا الشكل من الحرب الاقتصادية لا يحتاج إلى صدام مباشر لكنه فعال جدا في التأثير على الاقتصاد المنافس ويمثل جزء من استراتيجية شاملة للتحكم في مسار القوة الصاعدة.
لكن الصراع لا يقتصر على الطاقة وحدها إذ تسعى الصين أيضا إلى إعادة رسم خريطة التجارة العالمية عبر مشروع مبادرة الحزام والطريق الذي يربط بكين بأوروبا عبر شبكة من الطرق البرية والبحرية والموانئ وخطوط الأنابيب.
هذا المشروع لا يمكن فهمه كخطة اقتصادية عادية، بل كتصور استراتيجي يهدف إلى تقليل الاعتماد على الطرق البحرية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وخلق مسارات بديلة للتجارة العالمية ما يمنح الصين قوة نفوذ إضافية على الاقتصاد العالمي.
عندما تبدأ دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا في الاعتماد على الصين في التجارة والاستثمار فإن ذلك يقلل تدريجيا النفوذ الأمريكي ويضع الولايات المتحدة في موقف استراتيجي حساس لأن السيطرة على أوروبا كانت دائما أحد أعمدة القوة الأمريكية.
يلعب الشرق الأوسط دورا محوريا في هذه الاستراتيجية حيث إيران ليست مجرد دولة ذات برنامج نووي مثير للجدل، بل هي حلقة وصل جغرافية أساسية في أي طريق بري يربط الصين بأوروبا.
استقرار إيران يعني مرور آمن للبضائع وخطوط أنابيب مستقرة بينما يؤدي عدم استقرارها إلى تعطيل المشروع الصيني وزيادة تكاليفه وتأخير وصول البضائع.
الحرب مع الصين أما ايران فليست سوى ساحة المعركة إذ تتحول إلى موقع حيوي يحدد قدرة واشنطن على الضغط على بكين قبل أي مواجهة مباشرة.
من هذا المنظور فإن الصراع حول إيران ليس مجرد خلاف سياسي أو أمني، بل جزء من خطة أكبر لتأمين أو تعطيل مسارات التجارة العالمية والموارد الحيوية.
ثم تأتي تايوان النقطة الأهم في صراع القرن الحادي والعشرين لأنها مركز عالمي لصناعة أشباه الموصلات المتقدمة وهي الرقائق التي تعتمد عليها الهواتف والسيارات والأنظمة العسكرية والذكاء الاصطناعي وبالتالي السيطرة على هذه الصناعة تعني السيطرة على التكنولوجيا التي تقود الاقتصاد الحديث ومن يسيطر على تايوان يمتلك مفتاح التفوق التكنولوجي في القرن الحالي.
لهذا السبب تعتبر الصين تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها بينما ترى الولايات المتحدة حماية تايوان ضرورة استراتيجية للحفاظ على التفوق التكنولوجي العالمي.
هنا لا توجد حلول وسط والصراع يتحول إلى معادلة صفرية حيث أي محاولة لتغيير الوضع الراهن قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة.
لا تقتصر أبعاد الحرب على الطاقة والتجارة والتكنولوجيا فقط، بل تشمل الاقتصاد الأمريكي نفسه إذ يعد المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة أحد أعمدة الاقتصاد القومي وكل تصعيد أو أزمة دولية تخلق سوقا جديدة للأسلحة وتزيد من ارتباط دول الشرق الأوسط بالولايات المتحدة عبر صفقات تسليح طويلة الأمد ما يعزز النفوذ الأمريكي ويقوي موقعه الاستراتيجي.
كل حرب صغيرة أو تهديد أمني يتحول إلى أداة اقتصادية وكل أداة اقتصادية تدعم القوة السياسية والعسكرية ليصبح كل عنصر من عناصر الصراع جزء من شبكة متكاملة.
عند النظر إلى كل هذه الخيوط معا تتضح الصورة الكاملة ما يحدث اليوم ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل استراتيجية متكاملة تهدف إلى الضغط على الصين من كل الاتجاهات. الطاقة تقطع أو تقيد، التجارة تعطل، التكنولوجيا تحاصر، والجغرافيا السياسية تعاد هندستها كل ذلك قبل أي مواجهة مباشرة.
الأحداث في فنزويلا وإيران وروسيا وأوكرانيا ليست سوى تمهيد لهذه المواجهة الكبرى وكل التركيز ينصب حاليا على تايوان حيث من المتوقع أن تتحدد شكل وطبيعة الصراع القادم.
وفي نهاية المقال أود أن أوضح إن الحرب الكبرى لم تبدأ بعد لكنها تتشكل تدريجيا بصمت أحيانا وبضجيج أحيانا أخرى لتصبح مواجهة استراتيجية محتملة في المستقبل القريب.
الاستراتيجيات الحالية ليست عشوائية، بل هي تخطيط مدروس لإضعاف الخصم قبل الدخول في مواجهة مباشرة لضمان السيطرة على مفاتيح القوة الاقتصادية والتكنولوجية والجغرافية في القرن الحادي والعشرين.
كل حدث صغير أو أزمة إقليمية اليوم هي جزء من لعبة كبرى صراع غير مباشر بين القوة القائمة والقوة الصاعدة حيث يتم اختبار الصبر والقدرة والاستراتيجية قبل أن يصل الصدام النهائي الذي من المرجح أن يكون حاسما ومؤثرا على مسار النظام الدولي بأكمله.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن