|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 3 / 17
رحيل يورغن هابرماس لا يفرض بالضرورة واجب الرثاء، بقدر ما يفرض واجب التفكير. فالموت ليس مناسبة لتعليق النقد أو لتجميل السيرة، بل لحظة اختبار صارمة للدلالة الاجتماعية والأخلاقية لمسار كامل. بين الصمت المهيب أو المديح الفارغ، يظل الخيار الأصدق هو قول الحقيقة، حتى لو جاءت قاسية.
في هذا الأفق، لا يمكن التعامل مع هابرماس بوصفه مجرد اسم كبير في الفلسفة المعاصرة، أو كصاحب مشروع نظري حول “أخلاقيات المناقشة” و”العقل التواصلي” بمعزل عن مواقفه السياسية الملموسة. لقد قدم نفسه، لعقود، كمدافع عن العقلانية الحوارية، وعن إمكانية تأسيس الشرعية على النقاش الحر والمتكافئ، حيث لا سلطة تعلو على قوة الحجة. غير أن لحظات التاريخ الحاسمة لا تختبر الأفكار في الكتب، بل في المواقف.
هنا تحديدا، تكشف المأساة الجارية في غزة – بما تحمله من عنف مادي ورمزي، ومن اختلال فادح في ميزان القوة – عن حدود هذا المشروع. فحين يتحول “النقاش” إلى غطاء لتبرير القوة، وحين يستدعى الخطاب الأخلاقي لتخفيف وقع واقع غير أخلاقي في جوهره، فإننا لا نكون أمام تطبيق لأخلاقيات المناقشة، بل أمام نفيها العملي.
إن التناقض لا يكمن فقط في موقف سياسي عابر، بل في اهتزاز العلاقة بين النظرية ومجالها التطبيقي. فالفيلسوف الذي نظر لفضاء عمومي عقلاني، قائم على المساواة والاعتراف المتبادل، وجد نفسه – في لحظة اختبار قصوى – أقرب إلى تبرير نظام غير متكافئ، حيث تقصى أصوات الضحايا أو تختزل في لغة أمنية أو تقنية. وهنا، لا يعود السؤال: هل أخطأ هابرماس؟ بل: ماذا يكشف هذا الخطأ عن حدود الإطار النظري ذاته؟
من منظور نقدي، يمكن القول إن مشروع هابرماس ظل، رغم طموحه الكوني، مشروطا بأفق ليبرالي غربي، يفترض ضمنا شروطًا مثالية للنقاش لا تتحقق في واقع الهيمنة والصراع. فـ”المناقشة الحرة” تفترض أطرافا متكافئة، لكن ماذا يحدث عندما يكون أحد الأطراف تحت القصف، محاصرا، منزوع القدرة على التعبير أو الفعل؟ هل يظل النداء إلى الحوار في هذه الحالة موقفا أخلاقيا، أم يتحول إلى شكل من أشكال التجريد الذي يخفي علاقات القوة بدل أن يكشفها؟
بهذا المعنى، لا يمكن فصل هابرماس المفكر عن هابرماس المواطن، ولا عن هابرماس الذي يتخذ موقفا حين يتعذر الحياد. فالفلسفة، إذا كانت تدعي لنفسها بعدا نقديا، لا تقاس فقط بقدرتها على بناء المفاهيم، بل أيضا بقدرتها على الصمود أمام اختبارات الواقع.
وأي محاولة لتحويل رحيله إلى مناسبة للاحتفاء الخالص، دون مساءلة، لن تكون سوى مديح متملق خال من المعنى، يحجب أكثر مما يكشف.
لذلك، فإن أفضل ما يمكن قوله اليوم ليس رثاء، ولا شجبا أخلاقيا مجردا، بل محاولة للفهم: كيف يمكن لمشروع فلسفي بني على مركزية الحوار أن يعجز عن مواجهة واقع تخنق فيه كل شروط الحوار؟ وكيف يمكن للعقلانية التواصلية أن تصمد، أو أن تنهار، حين توضع في مواجهة العنف العاري؟
في هذا التوتر، تحديدا، تكمن القيمة الحقيقية للحظة: ليس في تمجيد الراحل، ولا في إدانته، بل في إعادة فتح السؤال الذي ظن أنه أجاب عنه: ما الذي يجعل الحوار ممكنا حقا؟ ومن يملك شروطه؟ ومن يقصى باسمه؟
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |