عصرنا بلا أعلام 3

خالد محمد جوشن
2026 / 3 / 13

تحدثنا فى المقال السابق عن اعلام عددهم زكى مبارك وعاش مع معظمهم وعايشوه ، والغريب ان التقى عرضا بشخص نكرة لايعرفه احد ولا يستحق ذكر اسمه ، يقول بكل اريحية ان الدكتور زكى مبارك ربما يكون مريضا نفسيا ، الصدفة فى عثورى على هذا الحديث الفج ، كانت كاشفة لما نحن فى عصر بلا أعلام ، بل نحن امام حناجر صوتية تبث كل ماهو غث ، ولذلك وصلنا الى هذا المستوى المزرى الذى لانكاد فيه نتبين كوكبة تنير لنا الطريق ، ربما تكون موجودة ولكن المناخ العام الذى يضم مثل صاحبنا يحكم عليها بالموت .
ولنعد الى خاتمة مقال الرائع زكى مبارك :
أما زعيم الدستوريين محمد باشا محمود ، فلم أشهده خطيبا إلا مرة واحدة فى الخطبة التى قال فيعها وهو غضبان :
" نريد أن نعرف لمن الامر اليوم : السعد أم للامة "
وكنت سمعت انها عرضت قبل االقائها على الدكتور طه حسين والعهدة على الشخص الذى صحب الدكتور طه ايام سكناه بحى قصر النيل ، فهو الذى زعم فى جريدة الانذار ان الدكتور طه هو الذى أنشأ تلك الخطبة التاريخية .
والذى يرى محمد باشا محمود وهو يتحدث يؤمن بأنه من أفراد الادباء فى اللغة العربية ، وكيف لايكون كذلك وهو من أسلم الناس ذوقا فى الحكم على الادب القديم والحديث ؟
ولم يكن صوت ثروت باشا فى الخطابة بالصوت المقبول ، كان صوته لونا من الصرصعة ، وكان يقرأ خطبه فى إوراق مكتوبة بطريقة تشهد بانه يخشى عادية اللحن والتصحيف .
واعظم خطب ثروت باشا هى خطبته فى الرد على معارضيه سنة 1922، وقد صححها المرحوم محمد المرصفى ، فشهد التصحيح بأنها استهدفت لطغيان قلمه البليغ .
أما ثروت باشا المحدث ، فكان من الايات فى عذوبة الروح وقد استطاع بلباقته ان يسيطر سيطرة روحية على الزعيم سعد زغلول قبل رحيله عن هذا الوجود ، فلما وقف يرثى سعدا بعد ذلك ، قهره قلبه الطيب على ان يضيف الى خطبته سطورا من الدمع المسكوب .
ولم اسمع حافظ عفيفى وهو يخطب ، امما اسلوبه فى الحديث فقد بهر قلبى وعقلى .
وطلعت حرب باشا ليس بخطيب ولم يخلق للخطابة ، وهو مع ذلك محدث جذاب ، وحاله فى ذلك يشبه حال الدكتور على باشا ابراهيم ، او حال عبد الحميد باشا بدوى .
ولا أعرف اين يقع مكان نجيب الهلالى بين الخطباء ، ولكنى أعرف أنه محدث ظريف .
أما حلمى باا عيسى ، فهو فيض من القوة والفتوة حين يتحدث ، وإن كنت لم ارض عن أسلوبه الخطابى حين سمعته فى مجلس النواب ، ولعل ذلك لان موقفه كان موقف المقرر لا موقف الخطيب ، والاستاذ ابراهيم عبد الهادى كان من خطباء الثورة المصرية ، وكان يمئذ فصيح اللسان ، وكان صدرى ينشرح حين اراه ين على حداثة سنه يتسامى الى منازل الخطباء القدماء فى تخير اللفظ الفخيم والمعنى ااالوهاج ، ثم ضاق به صدرى حين سمعته فى مسرح الازبكية بعد الثورة باعوام ، فقد سلك فى التحريض على اعضاء الحزب الوطنى مسلكا غير مقبول ـ ومع ذلك كان يستنفر الجمهور بشواهد من القران والحديث .
وكذلك انصرفت عنه وانصرف عنى فلم نكن نتبادل التحيات إذا التقينا مصادفة فى الطريق، ثم تعارفنا بعد طول التغاضى حين تلاقينا فى المفوضية العراقية منذ اكثر من شهرين فكيف صار ابراهيم عبد الهادى الخطيب ؟ أهو كعهدى به قبل عشرين عاما حين كان يرصع خطبه بالحكم والامثال والايات والاحاديث ؟ أم تكون الدنيا راضته على فنون من سرعة القول وبديهة الارتجال ؟
يشهد ما اقرأمن من خطبه المنشورة أنه لايفرق كثيرا بين مقامات الكلام : فهو يخطب فى مجلس النواب كما يخطب فى الحفلات ، مع ان الفرق بين المقامين بعيد ، فغن سنحت فرصة لشهوده خطيبا ومتحدثا فقد أرجع الى هذا الامر بشىء من التعديل ، ولكن ما اهمية الخطابة والحديث فى حيوات الرجال .
لذلك اهمية عظيمة جدا ، فأستازنا أحمد لطفى السيد باشا مدين لمواهبه فى الحديث اولا وفى الخطابة ثانيا ، واكاد اجزم بانه يراعى التعبير كلما تحدث ، ولو كان الحديث امرا بتقديم القهوة للضيوف ، وللحديث عنده ألوان : فهو تارة بالعامية الرقاوية ، وتارة بالفصحى البدوية ، تبعا لاختلاف المقامات ، ولهجته البدوية عذبة حلوة تقع من ازان السامعين أجمل موقع ، فاذا بدا له أن يغرب فهو أعرابى من مجاهيل البيداء ، وهو فى حاليه يتكلم بصوت رنان يذكر بألحان يوسف المنيلاوى ، ان رضى عن هذا الوصف .
ولطفى باشا له تاريخ فى الدعوىة للعامية ، ولكنه يكره التبذل والاسفاف فى الخطب والمحاضرات ، ولو سمعته وهو يخطب لعرفت ان دعوته الى العامية لم تكن الا دعاية اراد بها ان يشغل الجمهور عن المناوشات التى كانت تقرا بين أرباب الاقلام أيام الصيال بين الجريدة والمؤيد واللواء ، فلما جد الجد وصار مديرا للجامعة المصرية أعلن أن اللغة العر العامية لغة العوام وانها لاتملك القدرة على التعبير عن افكار الخواص ، وفى حديثأزيع باسمه فى مجلة الهلال .
أما بعد فأين انا مما أبتدات به ذها الحديث
كنت أريد أن أشرح كيف إختلفت الاراء فى سعد خطيبا ثم اندفعت الى شجون من الاحاديثشغلتنى عن الموضوع الاصيل ، وان كتنت تتصل به اوثق اتصال ، فإن استطاب القراء هذا الفن من التشريح فسأرجع اليه بعد حين .

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن