عصرنا بلا أعلام 2

خالد محمد جوشن
2026 / 3 / 9

تحدثنا فى المقال السابق أعلام عصرنا عن ثراء هذا الزمان الغير بعيد ، وغناه بالاعلام " بفتح الاف " فى كل فن فى الحياة بعكس عصرنا الردىء ، وها نحن نورد الجزء الثانى من متن المقال الذى نشره زكى مبارك عام 1940 فى مجلة الرسالة :
أما الشيخ عبد العزيز جاويش فكان يلقى خطبه بأسلوب المدرس المتمكن ، كان يغلب عليه أن يرد يده الى أذنه بصورة من يدعو فكره الى التجمع ، وكان يهتف بكلمة وى، حين يرى المعانى تشرد أمام فكره القناص فترجع اليه وهى أوانس خواضع .
وكان الشيخ جاويش حين يتحدث فى لحظات الصفاء أحيا من الفتاة البتول ، وكان لصوته فى أوقات اللطف نبرات عذاب ، وكانت له ابتسامة حلوة الى حد يفوق الوصف ، وكان لعينيه بريق جذاب ، فإذا غضب فحديثه ونظراته رعد وبرق وصواعق .
كنت أدخل عليه فى وزارة المعارف بلا إستئذان ، وكانت الفرص كثيرة لمقابلته ، لانه كان يمكث فى مكتبه كل يوم نحو عشر ساعات فيتغدى فى الوزارة كيفما اتفق ، ويصلى فيها الظهر والعصر والمغرب ، وقد يحلو له الانس بالواجب فيبقى فى الوزارة الى ان يصلى العشاء .
دخلت عليه مرة فوجدت عنده انسانا منزويا فى احدى نواحى المكتب ، ورأيت الشيخ غضبان والشرر يتطاير من عينيه ، فسلمت تسليما مختصرا وجلست .
وما هى الا لحظات حتى انفجر الشيخ كالبركان فى وجه ذلك الجليس ، فقد صرخ :
" من يتزوج بناتنا إذا جاز لكل شاب مأفون ألا يزور أوربا إلا عاد ومعه زوجة فرنسية أو إنجليزية أو المانية ؟
إن الاتراك لايتزوجون بناتنا غطرسة منهم وكبرياء ، والمغاربة وهم فى مثل حالنا لايتزوجون بناتنا الا فى قليل من الاحوال .
فكيف يجوز لشاب ان يترك بنات وطنه للبوار ، وهو يعرف فى قرارة نفسه أن الفتاة المصرية معدومة النظائر فى الجمال وأدب النفس ؟ وما الذى بهرك فى الفتاة الاوربية حتى تنسى بها بنت وطنك ؟ ومتى يصير أمثالك رجالا يعتمد عليهم وقد حرمكم الله نعمة الوطنية ؟
وخرج الشاب وهو اسف ، وكانت لحظة صمت توهمت فيها عينى الشيخ جاويش مغروقتين بالدمع ، فطلب فنجان قهوة ، ثم تكلف الابتسام ، وقال " لاتؤاخذنى ، فذاك فتى كان أبوه من أعز اصدقائى ، وما كنت أحب أن ينسلخ من وطنه بالزواج من أمرأة اجنبية "
ومع ان المسألة فيها نظر ، ومع أنى كنت أراجع الشيخ فى كثير من الشؤون ، فقد تخوفت عواقب غضبه إن راجعته فى ذلك الشأن الدقيق ، ثم إنصرفت وقد عرفت أن الشيخ لايرق ولا يلطف إلا فى ساعات الصفاء ، وإنه أخطب ما يكون وهو غضبان .
أما مكرم باشا عبيد فلم أسمعه يخطب إلا فى الحفلات ، وهو يحفظ خطبه عن ظهر قلب .
وقف يخطب فى ذكرى 13 نوفبر ايام الائتلاف ، وبعد مدة تزيد على عشر دقائق دخل عدلى باشا يكن ومعه جماعة من الوزراء ، فرجع مكرم باشا الى مطلع الخطبة من جديد فأعادها حرفيا بلا تغيير ولا تبديل .
اما مكرم باشا محدثا فلم اعرفه الا فى لحظات قضيتها معه بشارع ريفولى فى باريس سنة 1929 ، وهو يقبل عليك حين يحدثك إقبال من يهمه أن يظفر بثقتك ، فيترفق ويتلطف ، وينتقل من فن الى فن ، وهو فى جميع احواله خفيف الظل والروح .
ولم اسمع مكرم باشا وهو يرتجل لأعرف الفرق بين حاليه فى الأداء ، ولكن من المؤكد أن حاليه يختلفان بسبب غرامه بالزخرف والتنميق ، ومن كان كذلك فأمره فى الروية غير أمره فى الارتجال .
ولم اسمع النقراشى باشا خطيبا ، ويقول الذين سمعوه انه ليس من الخطباء .
اما النقراشى المحدث فهو ايه فى حلاوة التعبير وسلامة المنطق ، على شرط ان يكون االحديث فى داره لا فى وزراة المعارف أو وزارة الداخلية .
وهو مرهف العقل حين يتحدث ، ولكلامه مذاق خاص ، لانه لا يتكلم الا وهو مبتسم ، وقد تعجب حين يحادثك بأن يكون لمثله أعداء ، لانه ينقل أحاديثه عن قلب يفيض بالشهامة والاخلاص وان كثر القول بانه مفطور على العنف والاعتسااف .
والنحاس باشا خطيبا لا يرضينى ، وان كنت أول من تنبأ بأنه سيكون خليفة سعد ، يوم رأيته يصاول زغلول باشا فى مجلس النواب ، وكنت مضيت مع الاستاذ محمد الههياوى لشهود بعض المواقف المهمة قبل ان يموت سعد بعامين .
والعيب فى خطبة النحاس باشا يرجع الى الاداء ، لانه يؤدى المعانى باسلوب رتيب ، ولا يفرق بين مقامات الكلام الا فى قليل من الاحايين ، ولو جاز ان نقدم نصيحة لرجل فى مثل مركز النحاس باشا لرجوناه أن يرجع الى باب من أبواب العربية أسمه الوقف .
اما النحاس باشا متحدثا فهو على جانب عظيم من الجاذبية فى أوقات الصفاء ، فهو يرسل النكته المستعذبة بلا تكلف ، وهو لكرم طبعه ينسيك أنه من الزعماء ، وهو أولا واخرا رجل له قلب ، على قلة أرباب القلوب فى هذا الزمان .
فحين يتحدث النحاس باشا وهو غضبان فلا تعجب حين يقع منه مالايرضيك ، لان الغضب يحوله الى رجل ينكر ان فى الدنيا كلاما يقال وكلاما لا يقال .
اماا موهبة هيكل باشا خطيبا فليست بشىء بالاضافة الى موهبته فى الحديث .
يحدثك هيكل باشا وهو " ابن بلد " فتستظرفه الى أبعد الحدود ، لانه من هذه الناحية موهوب ، فإذا خطب وأراد أن يكون " إبن بلد " ضاقت به نفسك ، لان الخطابة لها وقار لايسمح بالعبارات البلدية ، وبعدها من الابتذال .
ويروعك من هيكل باشا صفاء عينيه حين يتحدث ، حتى تكاد تجزم بانه الشاب الذى ترفق فأشار فى كتابه عن " جان جاك روسو" الى انه كان من أهل الفنون يوم كان طالبا فى باريس ، أما مقام هيكل باشا فى الصحافة والتأليف فهو أفضل من أن يحتاج الى بيان ، لانه فى هاتين الناحيتين من أقطاب هذا الجيل .
والى تتمة المقال لاحقا

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن