مشروع علي حرب وإعادة صياغة مفهوم الحقيقة في ضوء الحداثة وما بعدها.

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 3 / 4

إنّ التأثير الحداثي وما بعد الحداثي حاضرٌ بصورة واضحة في مشروع علي حرب؛ إذ يتأسس خطابه على مراجعة مفاهيم الحقيقة والمرجعية والذات، ضمن أفقٍ نقديٍّ يتقاطع مع أطروحات الفلسفة الغربية المعاصرة. ويبدو تأثره المباشر بأفكار فريدريك نيتشه جليًّا، ولا سيما في مسألة "موت الإله" ونقد فكرة الحقيقة المطلقة؛ حيث تنبّه نيتشه إلى انهيار الميتافيزيقا التقليدية، وإلى أن القيم والمعاني ليست معطياتٍ ثابتة، بل بناءاتٌ إنسانية تاريخية.
كما يمتد هذا التأثر إلى فلاسفة التفكيك، وفي مقدمتهم جاك دريدا، الذي زعزع مركزية المعنى، وبيّن أن النص لا يحيل إلى حقيقةٍ نهائية، بل إلى شبكةٍ لا متناهية من الإحالات والاختلافات. ولا يقلّ أثر مارتن هيدغر حضورًا في خلفية حرب الفكرية، خاصة في إشكالية الكينونة ونقد الميتافيزيقا الغربية، وهو ما مهّد — بصورة غير مباشرة — لتلقيه أطروحات ميشيل فوكو حول حفريات الخطاب، وعلاقة المعرفة بالسلطة، وكيف تُنتج الخطاباتُ الحقائقَ داخل شبكاتٍ مؤسساتية وتاريخية محددة.
ويتضح هذا النسيج المرجعي في قول علي حرب:
"لا حقيقة كلية ساطعة يمكن القبض عليها؛ وإنّما الحقيقة تنتج عبر الخطابات والروايات، والسّلطات، والمؤسّسات وكلّ ما من شأنه خلق الوقائع أو توليد المفاعيل والآثار، ومن هنا تتغيّر إشكالية العلاقة مع الحقيقة؛ بمعنى أنّ البحث عن الحقيقة لم يعد محور التّفكير، وإنّما يتعلّق الأمر باستراتيجية نقدية، تحملنا على ممارسة علاقتنا بوجودنا على نحو تبدو معه الحقيقة أقلّ حقيقة." ."
في هذا النص يقدّم حرب عدة مقاربات تكشف عن بنيته الفكرية؛ فهو يرفض تصور الحقيقة بوصفها معطًى يقينيًّا ثابتًا، ويرى أنها تتشكل داخل أنساقٍ خطابية وسياقات سلطوية. ومن ثمّ، لم يعد سؤال "ما الحقيقة؟" هو السؤال المركزي، بل تحوّل الاهتمام إلى سؤال "كيف تتكوّن الحقيقة؟" و"من ينتجها؟" و"في أي سياقٍ سلطويٍّ تتشكل؟".
ولا يخفى كذلك تأثره ببعض أبعاد الفكر الصوفي، لا من حيث المضمون العقدي، بل من حيث النزوع إلى خلخلة الثوابت، وتجاوز المعنى الحرفي إلى أفقٍ تأويليٍّ مفتوح. غير أنّ هذا التداخل بين التفكيك الفلسفي والتأويل الروحي يظل محكومًا بإطارٍ حداثيٍّ عام، يجعل مشروع علي حرب امتدادًا واضحًا للأطروحات الحداثية وما بعد الحداثية في سياقها العربي.
وعليه، يمكن القول إن مشروعه ليس قطيعةً مع المرجعيات الغربية المعاصرة، بل هو إعادة إنتاجٍ لها ضمن سياقٍ ثقافيٍّ عربي، مع محاولة توطين أدواتها النقدية في قراءة النصوص والظواهر الفكرية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي