|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2026 / 3 / 3
يضع جيريمي بوين، مراسل هيئة الإذاعة البريطانية في الشرق الأوسط، معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في جوهرها أشبه بوصية مهنية لإنقاذ الصحفي من طوفان الانحيازات، يمكن للمراسل أن يجمع بين الحياد والصراحة. هذه الجملة وحدها كافية لنسف نصف ما يُسمّى اليوم “صحافة عربية”، ولإحراج النصف الآخر.
ففي عالم عربي يعيش صراعًا ثقافيًا مريعًا على الحقيقة—صراعًا تُديره الحكومات بوسائل إعلامها الرسمية، ويُكمله المواطن الصحافي بمنصاته الشخصية—تصبح متراجحة بوين بين الحياد والصراحة أكثر من مجرد نصيحة، تصبح أداة نجاة ثمينة، بل ربما آخر ما تبقى من شرف المهنة.
بوين ليس مراسلًا عابرًا، الجمهور العربي عرفه في حواراته مع زعماء المنطقة، وفي جولاته بين حروب لبنان والاجتياح الإسرائيلي لبيروت، ثم حرب الخليج، فالبوسنة، وصولًا إلى غزة. رجلٌ ظلّ سندباد الأخبار في عالم يزداد التهابًا. إسرائيل منعته من دخول غزة، وإيران لم تسمح له أصلًا بزيارتها. وهذه وحدها شهادة على معنى أن يقترح علينا بوين معادلته: الحياد والصراحة ليستا رفاهية، بل موقفًا مكلفًا.
يقول في حوار مع صحيفة “فايننشيال تايمز”: “كنا نشتكي من القيود في يوغوسلافيا السابقة، لكن مقارنةً بمحاولة تغطية الحرب في غزة، كان الوضع أشبه بالجنة.” ثم يضيف ما يشبه خلاصة حياته المهنية: “لطالما شعرتُ أنه إذا لم تحاول قول الحقيقة، فما الفائدة؟”.
بوين لا يتردد في تسمية الأشياء بأسمائها. قال إن هناك “أدلة واضحة” على جرائم حرب إسرائيلية في غزة. وصف دونالد ترامب بالكاذب بشأن الجريمة في لندن، ووصف تدخله في فنزويلا بأنه “استعمار”. هذه ليست آراء سياسية، بل صراحة مهنية نابعة من دراسة واطلاع، كما يقول هو نفسه. صراحة لا تلغي الحياد، بل تمنحه عمودًا فقريًا.
لكن السؤال الذي يلسعنا: هل يستطيع الصحفي العربي أن يسيطر على هذه المتراجحة؟ هنا يبدأ الألم الحقيقي. فالصحفي العربي يعمل في بيئة لا تعترف أصلًا بوجود “حياد” كي نناقش إمكانية الجمع بينه وبين الصراحة. الإعلام الحكومي يطلب الولاء قبل الخبر، الإعلام الحزبي يطلب الاصطفاف قبل الحقيقة، وإعلام رأس المال يطلب الصمت قبل كل شيء.
كيف يمكن لصحفي يعيش في هذه الغابة أن يمارس حيادًا لا يُكافأ عليه، وصراحة يُعاقَب بسببها؟ المعادلة التي يقترحها بوين تصبح في السياق العربي ترفًا أخلاقيًا، أو مغامرة شخصية، أو انتحارًا مهنيًا. ومع ذلك، تبقى ثمينة، لأنها تذكّر الصحفي العربي بأن الحقيقة ليست ملكًا للحكومة، ولا للحزب، ولا للممول. وتذكّره بأن الصراحة ليست خروجًا عن الحياد، بل هي الحياد نفسه حين يصبح العالم غارقًا في الأكاذيب.
وهنا تكمن المفارقة القاتلة، فالمؤسسات الإعلامية العربية لا تطلب من الصحفي أن يكون محايدًا، بل أن يكون مطيعًا. لا تطلب منه أن يكون صريحًا، بل أن يكون قابلًا للتشكيل. الصحفي في هذه البيئة لا يُمنح مساحة ليكون شاهدًا، بل يُستدعى ليكون شاهد زور. ولذلك تصبح معادلة بوين أشبه بفضيحة أخلاقية في وجه منظومات اعتادت أن تُعرّف الحقيقة على أنها ما تقوله السلطة، لا ما يراه الصحفي. إن جوهر الأزمة ليس غياب الحياد، بل تجريم الصراحة، وتحويل الصحفي إلى موظف علاقات عامة في دولة لا تحتمل أن تُرى صورتها كما هي.
وفي العمق، فإن الصحافة العربية لم تفشل لأنها ضعيفة، بل لأنها تخلّت عن وظيفتها الأصلية، مساءلة السلطة لمنع التغول والفساد. فالصحافة التي لا تسائل تتحول إلى ملحق إداري، والصحفي الذي لا يجرؤ على قول الحقيقة يصبح جزءًا من ماكينة التضليل.
إن معادلة بوين تكشف هشاشة البنية الأخلاقية للمشهد الإعلامي العربي، لأنها تضع معيارًا بسيطًا ومخيفًا في آن واحد: هل تستطيع أن تقول الحقيقة دون أن ترتجف؟ وهل تستطيع أن تكون محايدًا دون أن تكون محايدًا عن ضميرك؟ هذا السؤال وحده كفيل بإسقاط أقنعة كثيرة.
في الأشهر الأولى من حرب غزة، قال له دبلوماسيون كبار: “لو تمكنت أنت أو كريستيان أمانبور مراسلة (سي أن أن) من دخول غزة، لانفرجت الأزمة الدبلوماسية.” هذه الجملة تكشف شيئًا مرعبًا، أن وجود صحفيين صريحين ومحايدين قد يغيّر مجرى أزمة سياسية، بينما في العالم العربي، وجود صحفي صريح قد يغيّر فقط… مسار حياته المهنية نحو المجهول.
بوين يقول إن المشكلة ليست الخطر، بل ما لا يريدون للصحفي أن يراه. وهذه الجملة تصلح عنوانًا فرعيًا لتاريخ الإعلام العربي كله.
لكن جوهر الفكرة أعمق من المقارنة بين صحفي بريطاني وصحفي عربي. جوهرها أن الصحافة، في أصلها، ليست مهنة، بل ضمير. والضمير لا يعمل بنظام التمويل، ولا يخضع لميزانيات الحكومات، ولا يتقن فنون العلاقات العامة. الضمير لا يساوم. الصحافة التي لا تملك شجاعة الصراحة تتحول إلى نشرة حزبية. والصحافة التي لا تملك صرامة الحياد تتحول إلى منشور دعائي. وما بينهما، في تلك المنطقة الضيقة التي يقف فيها بوين، توجد الصحافة كما يجب أن تكون. مهنة تقول الحقيقة، لا ما يُطلب منها قوله. في كل ذلك ليس جيرمي بوين قديسًا صحافيًا، هو جزء من مؤسسة هناك مؤشرات كثيرة تقول إن بينها وبين “10 داونينغ ستريت” خطًا سريًا. وطالما انتقدت هيئة الإذاعة البريطانية على تغطيتها من حرب احتلال العراق حتى تدمير غزة. لكن بوين يبقى مثالًا مفيدًا في زمن تضاءلت فيه المثاليات والاقتباسات.
الصحفي العربي اليوم محاصر بثلاثة جدران: جدار السلطة، وجدار الحزب، وجدار الممول. لكن الجدار الأخطر هو الجدار الداخلي: الخوف، الخوف من فقدان الوظيفة، من غضب المسؤول، من سطوة الممول، من حملات التشهير، من القوائم السوداء. وهذا الخوف هو ما يجعل معادلة بوين تبدو شبه مستحيلة. ومع ذلك، فإن قيمتها أنها تذكّر الصحفي العربي بأن الاستسلام ليس قدرًا، وأن الحقيقة لا تموت إلا عندما يتوقف الصحفي عن محاولة قولها.
إن الحياد والصراحة ليستا خيارين متناقضين، بل هما وجهان لعملة واحدة. عملة الصحافة التي لم تُزَوَّر بعد. وإذا كان العالم العربي قد سحق الحقيقة تحت أقدام الحكومات والممولين، فإن الصحفي الذي يصرّ على قولها—ولو همسًا—يمارس فعل مقاومة. مقاومة لا تحتاج إلى سلاح، بل إلى ضمير لا يقبل الرشوة.
هذه هي المتراجحة التي يقترحها بوين، وهذه هي المتراجحة التي يخشاها الإعلام العربي، لأن الصحفي الصريح والمحايد لا يمكن ترويضه، ولا يمكن شراؤه، ولا يمكن تحويله إلى بوق. ولأن الحقيقة، حين تُقال بوضوح، تصبح أخطر من أي سلاح.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |