أفكارٌ بَسيطةٌ غير مُلزمة لأحَدْ ..( 87 )

زكريا كردي
2026 / 3 / 3

---------------------------
تتحدث هذه المرة عن وجهة نظري في " دور القوة وحدودها في ضبط الفكر المتشدد"
كما أرى، فإن المجتمعات البشرية، تعيش اليوم صراعاً متسارعاً، وتوتراً واضحاً، بين رؤيتين للعالم :
-رؤية تعددية منفتحة، تسعى إلى المستقبل، عبر انجازات العقل، حيث تعتمد الوعي العلمي والتفكير النقدي، وتستعد لعصر الذكاء الاصطناعي واستيطان الفضاء و و..
- و رؤية أحادية مغلقة، تنكفئ إلى الماضي عبر إيجازات النقل، وعنعنات الجهل، فتتشبث بقبور الموتى الهامدة، وتنغمس بنذور النكاح وفنون الهضم الزائدة، وتُشغل افهام اجيالها بالتفسيرات الأصولية الجامدة، فتحارب الفلسفة والعلم، وسعة الفهم، وتقاوم التغيير بكل أشكاله المحتملة والسائدة ..
بالطبع ، مثل هذا التباين والصراع المُتزايد بين الاقوام، ليس جديداً في رحلة التاريخ الانساني،
لكنه - في تقديري - يكتسب اليوم خطورة أكبر ، بسبب سرعة التحولات العلمية الهائلة ، واتساع الفجوة الحضارية بين المجتمعات، واشتداد حدة الصراع بين البشر أكثر فأكثر ..
وللأسف ، تقف في قلب هذا الصراع المحموم، كثير من الدول ذات الاكثرية الاسلامية، مكللةً بأسمال "الأفكار الأصولية التكفيرية المقدسة" ومحتلةً من قبل جماعات أصولية ، أو ما بات يُعرف ب جماعات الاسلام السياسي (داعش حماس القاعدة الاخوان المسلمين و.. ) ..
أو لنقل الجماعات التي حوّلت مفهوم " الدين " في كثير من البيئات الاسلامية للاسف - إلى "أيديولوجيا سياسية " أكثر منها منظومة روحية سامية ..
و جعلت سماحة " الدّين " لديها، تبدو وكأنها أداة سلطة كراهية وتفرقة ، ونص تكفير أو قمع وقتل، لا أداة طمأنينة و رحمة، أو غاية انسانية للتواصل مع الله ( الكمال المطلق ).
بمعنى آخر : حولت فهم " الدين" إلى مشروع سياسي شمولي ، يهدف إلى السيطرة على ضمائر الناس و مصائر المجتمع ، لا إلى تهذيب الإنسان و إسعاده ، أو الدفع بحياته للتقدم نحوالافضل وإعمار هذا الوجود ..
و قد رأينا أكثر من مرة ، كيف أنّ هذه الأيديولوجيا الأصولية التكفيرية، تستغل الفراغ السياسي، وضعف الدولة ، وانهيار التعليم ، وتغول الفقر ، والصراعات المسلحة ..
لتفرض نفسها و رؤيتها (السياسية والدينية والاجتماعية )، باعتبارها الجهة المنقذة المالكة للحل الوحيد، و الحقيقة المقدسة المطلقة، الصالحة لكل زمان ومكان ..
بالتأكيد ، عندما تنهار المؤسسات في اية دولة ومجتمع ، كما حدث في دول فاشلة كثيرة ، ستملأ جراثيم الأيديولوجيات المتشددة، الفراغ بسرعة ..وذلك لأسباب كثيرة ، لعل أهمها :
أنها تقدّم للناس إجابات وهمية بسيطة في عالم معقد ، وتستغل الجهل والضعف ، و الحاجة إلى الهوية والانتماء في لحظات الانهيار..
لكن السؤال الجوهري الذي يتبادر الى ذهني الآن :
هل يمكن ياترى، ضبط هذه الأيديولوجيات القميئة، أو القضاء عليها بالقوة وحدها ..؟!
للحق ، التجارب التاريخية تقدّم لنا إجابات معقدة قليلاً ..
لكن الواقع مازال يقول لنا بجلاء : أن القوة قد توقف جماعة متطرفة، وقد تمنع انهيار الدولة ، وقد تفرض قدراً من الاستقرار المؤقت.
لكنها لا يمكن لها أن تغيّر العقول ، ولا أن تبني وعياً جديداً ، ولا تخلق مجتمعاً قادراً على مقاومة التطرف من الداخل..
ولنتذكر معاً هنا ، كيف ان أوروبا نفسها ، لم تنهض وتتقدم ،
لأنها “ألغت الدين”، بل لانها اخذت بـ( التعليم والتنوير والعلمنة ,,) ،
أي أنها أعادت تنظيم العلاقة بين الدين ومؤسسات الخدمات العامة (الدولة) ، وطوّرت التعليم ، وبنت مؤسسات قوية ، وفتحت الباب أمام التفكير النقدي والحريات الاساسية للانسان ...
بالطبع، لا يمكننا تجاهل دور القوة ، أو وجود سلطات الدولة القوية — القائمة على حزم القانون — تلعب دوراً أساسياً في ضبط الفكر الاصولي المتشدد..
لكن القوة في اوروبا - في تقديري - كانت جزءاً من المشهد ، لكنها لم تكن العامل الحاسم..
ربما ب=يصح القول ان القوة هي " شرط اولي لازم فقط "، تكمن ضرورته في تهيئة البيئة المناسبة لإنجاز الحل الدائم..
وذلك من خلال فرض القانون على الجميع ، وحماية استقلالية التعليم ، ودعم مؤسسات الدولة ، و منع استغلال الدين سياسياً ..
لكن ما اؤمن به حقا هو أن ما يغيّر المجتمعات فعلاً هو " تنوير العقول" وليس الثورات او فرض واقع سلطة ما بالقوة..
ولذلك تقديري أن التطرف الاسلامي الاصولي التكفيري بالذات ، لن يُهزم بالسلاح والقوة فقط ، بل بتعميم المعرفة ، وإشاعة العلم ، وفرض التعليم..
و ان هزيمة هذا الفيروس التكفيري المقدس، والفهم السقيم المنادي بتطبيق الشريعة على العالمين،
لن يختفِ بسلاح القتل والقمع، أو غلظة التصدي له فقط، بل بخلق بديل فكري للناس ، وحال معرفي يكون أقوى و أكثر إقناعاً..
والاهم من ذلك ، على السلطة الحاكمة، ان تسخر جانب قوتها الابرز، من أجل المساعدة على تأصيل تأثير النخب في فضاء المجتمع..
من اجل تعزيز الوعي العام نحو ثقافة العلم ، وتعليم الناس التفكير النقدي ، وشرح منافع الانفتاح على العالم ، لأجل تحسين الاقتصاد ، وتوفير فرص الحياة الكريمة — وثثقيف العامة بان هذه هي الأدوات الحقيقية التي تصنع تحولاً حقيقياً في الدولة والمجتمع ..
و أظن ، عندما يرى الناس أن العلم يحسّن حياتهم ويغنيها ، وأن الحرية لا تهدد هويتهم بل تثريها ، وأن المستقبل أفضل من الماضي ،
ستتراجع الأصولية تلقائياً وتضمحل ..
قصارى القول :
إن العالم الإسلامي بالتحديد ، بعيش اليوم لحظةً تاريخية، تشبه - في بعض جوانبها - ما عاشته أوروبا قبل عصر الأنوار ..
لست متفائلا ساذجاً، لكن التغيير قادم لا محالة، لأن التاريخ لا يتوقف ، ولأن الأفكار المتشددة مهما بدت قوية، لن تستطيع الصمود أمام القادم ، وأمام مجتمع متعلم، مستقر، وواعٍ ..
في النهاية ، القوة تضبط، لكنها لا تنوّر.
والتنوير يغيّر ، لكنه يحتاج قوة تحميه.
وبين حال الاثنين ، تتحدد ملامح مستقبل المجتمعات أو تندثر الى الابد .
الحمد لله على نعمة العقل
zakariakurdi

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي