ساطع الحصري وابن خلدون

عصام حافظ الزند
2026 / 3 / 3

(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
ساطِعَ الحِصْرِيُّ وَاِبْنُ خَلْدُونَ
والآن نَعُودَ إِلَى الحَصْرِيِّ فِي كِتابِهِ دِراساتٍ عَن مُقَدِّمَةِ اِبْنِ خَلْدُونَ" حَيْثُ يَقُولُ "انْ نَظَرِيَّةَ العَصَبِيَّةِ مِن أهم وأطرف النَظَرِيّاتِ الَّتِي وَضَعَها اِبْنُ خَلْدُونَ "وَلا نُغالِي أَنْ قُلْنا –بِهٰذا الاِعْتِبارِ- أنها تُؤَلِّفُ "اُنْظُومَة"(systeme) تامَّةُ التَكْوِينِ فِي الاِجْتِماعِ بِوَجْهٍ عامٍّ ، وَالاِجْتِماعُ السِياسِيُّ بِوَجْهٍ خاصٍّ"(ساطِعُ الحَصْرِيِّ ص 333) وَلَعَلَّنا، وَبَعْدَ دِراسَةِ الفُصُولِ الَّتِي تَناوَلَت العَصَبِيَّةَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَ إنها بِمَثابَةِ المِحْوَرِ الَّذِي يَدُورُ حَوْلَهُ مُعْظَمُ المَباحِثِ الاِجْتِماعِيَّةِ الأُخْرَى، وَتَتَّصِلَ بِها جَمِيعُ مَباحِثِ الاِجْتِماعِ السِياسِيِّ فِي المُقَدِّمَةِ. "وأما الأَدْوارُ الَّتِي تَلْعَبُها العَصَبِيَّةُ فِي الحَياةِ الاِجْتِماعِيَّةِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ وَمُهِمَّةٌ جِدّاً- فِي نَظَرِ اِبْنِ خَلْدُونَ- كَما يَظْهَرُ بِكُلِّ وُضُوحٍ فِي العِباراتِ التالِيَةِ: "العَصَبِيَّةُ تَحْمِلُ الأَفْرادَ عَلَى التَناصُرِ وَالتَعاضُدِ فِي المُدافَعَةِ وَالحِمايَةِ وَالمُقاتَلَةِ" انَّها ضَرُورِيَّةٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ يَحْمِلُ الناسَ عَلَيْهِ، مِنْ نُبُوَّةٍ أَوْ إقامة مَلِكٍ أَوْ دَعْوَةٍ، اِذْ بُلُوغَ الغَرَضِ مِنْ ذٰلِكَ كُلِّهِ إنما يَتِمُّ بِالقِتالِ عَلَيْهِ، لِما فِي طِباعِ البَشَرِ مِنْ الاِسْتِعْصاءِ، ولا بد فِي القِتالِ مِنْ العَصَبِيَّةِ“ (الحَصْرِيُّ ص 341 وَحَسْبَ الطَبْعَةِ الَّتِي بَيْنَ أيدينا (وإننا وأن نَتَتَبَّعُ الحَصْرِيَّ إِلَى أننا سَنَعُودُ دَوْماً إِلَى الطَبْعَةِ الَّتِي بَيْنَ أيدينا لِاِبْنِ خَلْدُونَ لِلتَحَقُّقِ مِنْ كُلِّ رأي يَخُصُّهُ، أَوْ قالَهُ وَنُناقِشُهُ) وَسَوْفَ نشير إن كانَ هُناكَ أحيانا بعض الاِخْتِلافِ فِي صِياغَةِ الفِكْرَةِ بَيْنَ مَصْدَرِنا، وَماذكَرِهِ الحَصْرِيِّ وإن كانَ بِنَفْسِ المَعْنَى (مُقَدِّمَةَ العَلّامَةِ اِبْنِ خَلْدُون ص 132).
وَيُكْمِلُ الحَصْرِيُّ شَرْحَ مَنْظُومَةِ اِبْنِ خَلْدُونَ فَيَنْقُلُ مَوْضُوعَةَ اِبْنِ خَلْدُونَ: "المَلِكُ إنما يَحْصُلُ بِالتَغَلُّبِ، وَالتَغَلُّبِ إنما يَكُونُ بِالعَصَبِيَّةِ (الحَصْرِيِّ ص 341، وَفِي مَرْجِعِنا البابُ الثالِثُ الفَصْلُ الرابِعُ ص 159)"الرِئاسَةُ لا تكون إلا بِالغَلَبِ، وَالغَلَبِ إنما يَكُونُ بِالعَصَبِيَّةِ “(الحَصْرِيُّ ص 341 وَمَرْجِعْنا البابُ الثانِي الفَصْلُ الحادِي عَشَرَ ص 135)" إن العَصَبِيَّةِ بِها تَكُونُ الحماية والمدافعة وَالمُطالَبَةَ، وَكُلُّ أمر يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ “(الحَصْرِيُّ ص 341،وَفِي مَرْجِعِنا وَمَرْجِعُنا المُقَدِّمَةُ البابَ الثانِي الفَصْلُ السابِعُ عَشْرَ صَ 142).
وَبَودنا هُنا التَرْكِيزُ باختصار عَلَى الشَرْحِ المُطَوَّلِ وَالاِسْتِنْتاجاتِ المُهِمَّةِ الَّتِي تَوَصَّلَ إِلَيْها الحَصْرِيُّ فِي دِراسَتِهِ وَالَّتِي تَتَّفِقُ أولا مَعَ آراء اِبْنِ خَلْدُونَ نَفْسِهِ وأنها ثانِياً سَتُعَزِّزُ ما ذَهَبنا إليه مِن أَنَّ القَبائِلَ البَدَوِيَّةَ وَبِحُكْمِ العَصَبِيَّةِ صاغَت ما صاغته مِن التَعالِيمِ الإِسْلامِيَّةِ لِتَضْمَنَ هَيْمَنَها وَسَطْوَتَها عَلَى الآخرين. فَيَقُولُ الحَصْرِيُّ مُتَتَبِّعاً اِبْنَ خَلْدُونَ:
"تَلْعَبُ العَصَبِيَّةُ دَوْراً هامّاً فِي تأسيس المَلِكِ وَتَكْوِينِ الدَوْلَةِ: لأن الغاية التي تَجْرِي بِها العَصَبِيَّةُ هِيَ المَلِكُ وَالمَلِكُ إنما يَحْصُلُ بِالتَغَلُّبِ وَالتَغَلُّبِ إنما يَكُونُ بِالعَصَبِيَّةِ" (الحَصْرِيُّ ص 342 وَمَرْجِعَنا المُقَدِّمَةُ البابُ الثالِثُ الفَصْلُ الرابِعُ ص 159).
"إن قُوَّةُ العَصَبِيَّةِ تَنْزِعُ بِطَبْعِها إِلَى الحُكْمِ وَالسِيادَةِ، وَالتَوَسُّعِ فِي الحُكْمِ وَالسِيادَةِ" (الحَصْرِيِّ ص 342)
وَيَقُولُ اِبْنُ خَلْدُونَ فِي الفَصْلِ السابِعَ عَشَرَ "وَصاحِبُ العصبية إذا بَلَغَ إِلَى رُتْبَةِ طَلَبِ ما فَوْقَها، فَإِذا بَلَغَ رُتْبَةَ السُؤْدُدِ وَالاِتِّباعِ وَجَدَ السَبِيلَ إِلَى التَغَلُّبِ وَالقَهْرِ لا يتركه؛ لأنه مَطْلُوبٌ لِلنَفْسِ" (اِبْنُ خَلْدُونَ ص 142) وَيُواصِلُ اِبْنُ خَلْدُونِ دِراسَةَ العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ، فَيَقُولُ فَالتَغَلُّبُ المُلَكَ غايَةٌ لِلعَصَبِيَّةِ كَما رأيت (مقدمة اِبْنُ خَلْدُونَ ص 142 ) ثُمَّ إن القَبِيلَ الواحِدَ، وإن كانَت فِيهِ بُيُوتاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَعَصَبِيّاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فلا بد مِنْ عَصَبِيَّةٍ تَكُونُ أَقْوَى مِنْ جَمِيعِها، تَغْلِّبُها وَتَسْتَتْبِعُها وَتَلَتَّحِمُ جَمِيعُ العَصَبِيّاتِ فِيها، وَتَصِيرُ كأنها عَصَبِيَّةً واحِدَةً كُبْرَى، وَإِلّا وَقَعَ الاِفْتِراقُ المُفْضِي إِلَى الاِخْتِلافِ وَالتَنازُعِ (اِبْنِ خَلْدُونَ ص 142) “{وَلَوْلا دَفَعَ اللّٰهُ الناسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ (251)} (87/2 سُورَةُ البَقَرَةِ هِجْرِيَّةُ عَدَدِ الآيات 286 آيه 251) وَفِي البابِ الثالِثِ مِنْ الكِتابِ الأول، وَفِي الفَصْلِ الأول يَقُولُ اِبْنُ خَلْدُونَ "ثُمَّ إن الملَكَ مَنْصِبٌ شَرِيفٌ مَلْذُوذٌ يَشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ الخَيْراتِ الدُنْيَوِيَّةِ وَالشَهَواتِ البَدَنِيَّةِ وَالمَلاذِ النَفْسانِيَّةِ، فَيَقَعُ فِيهِ التَنافُسُ غالِباً وَقَلَّ أَنْ يُسَلِّمَهُ أحد لِصاحِبِهِ إلا إِذا غَلَبْتَ عَلَيْهِ، فَتَقَعُ المُنازَعَةُ وَتُفْضِي إِلَى الحَرْبِ وَالقِتالِ وَالمُغالَبَةِ. وشيء مِنْها لا يَقَعُ إلا بِالعَصَبِيَّةِ كَما ذَكَرْنا آنفا" (اِبْنُ خَلْدُونَ ص 156) وفي هذا السياق وقبل ابن خلدون وفي القرن السادس قال الشهرستاني في الملل والنحل "وأعظم خلاف بين الامة خلاف الامامة إذ ماسل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الامامة في كل زمان " ( الملل والنحل للامام أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني المتوفي سنة 548 هجرية صححه وعلق علية الأستاذ احمد فهمي محمد دار الكتب العلمية بيروت -لبنان الطبعة الثانية ص 13 الخلاف الخامس في الامامة وهو يسرد هنا الخلاف في السقيفة)
ثُمَّ يَنْتَقِلُ اِبْنُ خَلْدُونَ إِلَى جانِبِ آخر مِن جَوانِبِ العَصَبِيَّةِ مُهِمٌّ جِدّاً وَحَسّاسٌ في الوقت ذاته ألا وَهُوَ عَلاقَةُ الدِينِ بِالعَصَبِيَّةِ فَيَقُولُ فِي الفَصْلِ السادِسِ: “فِي أَنَّ الدَعْوَةَ الدِينِيَّةَ مِن غَيْرِ عَصَبِيَّةٍ لا تَتِمُّ، وَهٰذا لِما قَدَّمْناهُ مِن أَنَّ كُلَّ أمر تُحْمَلُ عَلَيْهِ الكافَّةُ فلا بد لَهُ مِن العَصَبِيَّةِ“ (اِبْنِ خَلْدُونَ ص 160) وَقَدْ أيد اِبْنُ خَلْدُونَ كَلامُهُ بِحَدِيثٍ نَبَوِيٍّ يَقُولُ [ما بعث اللّٰه نَبِيّاً إلا فِي مَنَعَةٍ مِن قَوْمِهِ] وَلٰكِنَّنا، وإن وَجَدنا البَعْضَ يَتَّخِذُ وَيَسْتَشْهِدُ بِهٰذا الحَدِيثِ، إلا أننا لَمْ نَجِدْ لَهُ أثرا لا فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ وَلا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ ولا إشارة إليه فِي سُنَنٍ أُخْرَى فَلا نُرِيدُ أَنْ نَجْزِمَ بِصِحَّتِهِ خاصَّةً، كَما أننا وَجَدنا أَنَّ الباحِثَ الدُكْتُورَ خالِد كَبِيرُ عَلّال أَشارَ أَنَّ هٰذا لَيْسَ بِحَدِيثٍ، بَلْ أورده البَيْهَقِيُّ فِي السُنَنِ الكُبْرَى وَالطَبْرانِيِّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ، وأوردوه كَقَوْلٍ لِبَعْضِ الصَحابَةِ فِي وَصْفِ رَسُولِ اللّٰهِ (الدكتورُ خالِد كَبِير عَلالِ الأخطاء التارِيخِيَّةِ وَالمَنْهَجِيَّةِ فِي مُؤَلَّفاتِ مُحَمَّد أركون وَمُحَمَّد عابِد الجابْرِي دارُ المُحْتَسِبِ نُسْخَةٌ مِن الأنترنيت ص 10)
وَاِبْنِ خَلْدُونٍ يَشَدُّ مِنْ هٰذا التَرابُطِ حِينَ يَقُولُ فِي فَصْلِهِ الخامِسِ "فِي أَنَّ الدَعْوَةَ الدِينِيَّةَ تَزِيدُ الدَوْلَةَ فِي أصلها قُوَّةً عَلَى قُوَّةِ العَصَبِيَّةِ الَّتِي كانَتْ لَها فِي عَدَدِها " (اِبْنُ خَلْدُونَ ص 159) وَهٰذا يَعْنِي أَنَّ تأثير الإجماع الدِينِيِّ يَزِيدُ مِنْ قُوَّةِ العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ بِما يَجْعَلُها أَكْثَرَ قُوَّةَ وأشد بأسا، فَيَقُولُ اِبْنُ خَلْدُونَ "وَالسَبَبُ فِي ذٰلِكَ: كَما قَدَّمْناهُ أَنَّ الصِبْغَةَ الدينية تذهب بِالتَنافُسِ وَالتَحاسُدِ الَّذِي فِي أصل العَصَبِيَّةِ" (اِبْنِ خَلْدُونَ ص 159 ) وَهُوَ يُسْتَشْهِدُ بِتارِيخِ الإِسْلامِ وَمَعارِكِ القادِسِيَّةِ وَاليَرْمُوكِ حَيْثُ كانَ المُسْلِمُونَ أَقَلِّيَّةَ لا يتجاوزون 36 ألفاً، فِي حِينِ أَنَّ الفُرْسَ فِي القادِسِيَّةِ كانُوا أَكْثَرَ مِن 130 ألفاً؛ وَكَذٰلِكَ فِي اليَرْمُوكِ حَيْثُ كانُوا جُمُوعَ هِرَقْلِ أَكْثَرَ مِن 400 ألف حَسْبَما ما قال الواقِدِي؛ وَكَذٰلِكَ يأتي بأمثلة أُخْرَى مِن تَجْرِبَتِهِ المَغارِبِيَّةِ، وما حصل فِيما بَيْنَ المُصامَدَةِ وَزَنّانَةٍ فِي دَوْلَةِ المُوَحِّدِينَ ونحن وان نعتقد أن الدين ظهر في ظل سيادة العصبية وانه احدث نقلة فيها وسنتطرق الى هذا الموضوع في أماكن أخرى ويكفي ان نشير هنا الى قول بني حنيفة" كذاب رَبيعَة َأحَبُ إِلينا مِنْ صادِق مُضَرْ" لنرى تأثير العصبية.
وَهُنا فإن الحَصْرِي يُعْتَقَدُ أَنَّ هُناكَ مُشابَهَةً بَيْنَ تأثير الدِينِ وتأثير العَصَبِيَّةِ فِي الحَياةِ الاِجْتِماعِيَّةِ، وَذٰلِكَ لأنه كَما أَشَرنا فإن الدِينُ يُؤَلِّفُ القُلُوبَ، وَيُخَلِّصُها مِن التَنافُسِ وَالتَحاسُدِ؛ ومن ثم يُؤَدِّي إِلَى تَوْحِيدِ القُلُوبِ وَتَعاضُدِ الأفراد، وَيُذَكِّرُنا بِقَوْلِ اِبْنِ خَلْدُونَ فِي فَقَراتٍ سابِقَةٍ بأن العَصَبِيَّةُ تَلْعَبُ دَوْراً فِي تَعاوُنِ وَتُعاضُدُ الناسِ إذن فَالدِينُ وَالعَصَبِيَّةُ تَسِيرانِ إِلَى هَدَفٍ واحِدٍ وَخَلْقِ بِيئَةٍ اِجْتِماعِيَّةٍ واحِدَةٍ؛ وَمِنْ هٰذا يأتي التأكيد أَنَّ الإجماع الدِينِيَّ يُضاعِفُ مِنْ قُوَّةِ العَصَبِيَّةِ.
وَبَعْدَها يُؤَكِّدُ فِي الفَصْلِ السابِعِ مِن نَفْسِ البابِ الثالِثِ كَيْفِيَّةَ تَوَسُّعِ الحُكْمِ وَاِمْتِدادِهِ وَتَوْزِيعِهِ وَقِيامِهِ عَلَى أَساسِ العَصَبِيَّةِ "فِي أَنَّ كُلَّ دَوْلَةٍ لَها حِصَّةٌ مِن المَمالِكِ والأوطان لا تزيد عَلَيْها وَالسَبَبُ فِي ذٰلِكَ أَنَّ عِصابَةَ الدَوْلَةِ وَقَوْمَها القائِمِينَ بِها الممهدون لَها لا بد مِن تَوْزِيعِهِم حِصَصاً عَلَى المَمالِكِ وَالثُغُورِ الَّتِي تَصِيرُ أَلِيهِم وَيَسْتَوْلُونَ عَلَيْها لِحِمايَتِها مِن العَدُوِّ، وإمضاء أَحْكامِ الدَوْلَةِ فِيها مِنْ جِبايَةٍ وَرَدْعِ وَغَيْرِ ذٰلِكَ" (وَفِي هٰذا الصَدَدِ ولتأكيد ذٰلِكَ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ يَنْظُرُ إِلَى الفَصْلِ الخاصِّ بِالدَوْلَةِ السَعُودِيَّةِ مِنْ الأولى إِلَى الثالِثَةِ)
بَعْدَها، وَفِي نَفْسِ الفَصْلِ يَصِلُ اِبْنُ خَلْدُونَ إِلَى اِسْتِنْتاجٍ مُهِمٍّ حَيْثُ يَقُولُ "وَالعِلَّةُ الطَبِيعِيَّةُ فِي ذٰلِكَ هِيَ قُوَّةُ العَصَبِيَّةِ مِن سائِرِ القُوَى الطَبِيعَةِ، وَكُلُّ قُوَّةٍ يَصْدُرُ عَنها فِعْلٌ مِن الأفعال، فشأنها ذٰلِكَ فِعْلُها" (اِبْنُ خَلْدُونَ ص 163) إذن أنه تأكيد آخر مِن اِبْنِ خَلْدُونَ عَلَى أَنَّ العَصَبِيَّةَ مِن الخِصالِ الطَبِيعِيَّةِ المُرْتَبِطَةِ بِالبِداوَةِ فَهِيَ بِهٰذا المَعْنَى تَعْمَلُ عَمَلَ القَوانِينِ الطَبِيعِيَّةِ فِي المُجْتَمَعِ وَهِيَ إن صَحَّ التَعْبِيرُ تتأصل فِي كروموسوماتِ الفَرْدِ البَدَوِيِّ، وَنُلاحِظُ دِقَّةَ هٰذا التَشْخِيصِ وَأَبْعادَ تأثيره حَتَّى فِي التَصَرُّفاتِ المُعاصِرَةِ. وفي هذه الفَقَرةِ نشير الى أن طه حسين يأخذ على أبن خلدون انه " لا يراعي دائِما الدْقة التامة في تَطبيق طريقته أو هو بعبارة أخْرى لا يستطيع أن يقاوم عَوَاملَ أخرى تؤثر فيه أيما تأثير، فهو أحيانا يتَأثرُ بالدين الذي كان فعله في الروح أبْلَغُ من فعل التربية والبيئَةِ" (فلسَفة أبن خلدُون الآجتِماعية طه حسين ص 47) أننا ومن منطق التاريخ لا نقتنع تماما مع طروحات أبن خلدون أو طه حسين وحتى الحصري ذلك أن التجارب حتى ألإسلامية منها تبرهن أن القيم القبلية وأساسها العصبية أقوى حتى من الدين نفسه فقد اشرنا الى أن الدين لم يسعى الى الى "محو العصبية" بل حاول أن يوسع من مفهوم العصبية وينقلها من القبيلة الى الدين ولكنه في نهاية الامر لم يحقق هذا الهدف والدليل بل انه فتح الباب لان تتخذ العصبية مجال أوسع من مجرد القبيلة وهو ما أدى وحتى يومنا هذا الى صيرورات أخرى للعصبية المكانية والحزبية والسياسية والأيديولوجية وغيرها فأن ظهور المذاهب والردات والحُروبْ الاهلية والغزواتِ كلها مرتبطة بشدة بالعصبية واصبَحَتْ العصبية للمذهب والطائفة والحزب والحاكم امرا معتادا ولا حتى يشعر به الافراد.
الأوطان الكَثِيرَةُ القَبائِلُ وَالعَصائِبُ قَلَّ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فِيها دَوْلَةً
يَنْتَقِلُ اِبْنُ خَلْدُونَ إِلَى تَشْخِيصٍ آخر للبداوة لا يقل أَهَمِّيَّةً، وَنَشْهَدُهُ حَتَّى اليوم بوضوح ساطع، وَالَّذِي يَقُولُ فِي الفَصْلِ التاسِعِ "فِي أَنَّ الأوطان الكَثِيرَةَ القَبائِلَ وَالعَصائِبَ قَلَّ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فِيها دَوْلَةً وَالسَبَبَ فِي ذٰلِكَ اِخْتِلافُ الآراءِ وَالأَهْواءِ، وأن وَراءَ كُلِّ رأي مِنها وَهَوىً عَصَبِيَّةٍ تُمانِعُ دُونَها، فَيَكْثُرُ الانتقاص عَلَى الدَوْلَةِ وَالخُرُوجِ عَلَيْها فِي كُلِّ وَقْتٍ، وإن كانَتْ ذاتَ عَصَبِيَّةٍ، لأن كُلُّ عَصَبِيَّةٍ مِمَّنْ تَحْتَ يَدِها تَظُنُّ فِي نَفْسِها مَنْعَةً وَقُوَّةً" (اِبْنُ خَلْدُونِ البابِ الثالِثِ الفَصْلِ التاسِعِ ص 165) إن هٰذا الرأي الخَلْدُونِيَّ، وَالَّذِي كَتَبَهُ اِبْنُ خَلْدُونَ بِناءً عَلَى تَجْرِبَتِهِ المَغارِبِيَّةِ وَالأَفْرِيقِيَّةِ قَبْلَ ما يقارب مِن سَبْعَةِ قُرُونٍ يُذَكِّرُنِي دَوْماً بِما يَكْتُبُهُ، وَيُرَدِّدُهُ الكَثِيرُ مِن "المُثَقَّفِينَ" وَالسَياسِيينِ العِراقِيينِ عَلَى سَبِيلِ المِثالِ مُنْذُ تَأْسِيسِ المَمْلَكَةِ العِراقِيَّةِ ثُمَّ الجُمْهُورِيَّةِ وَحَتَّى اليوم مِنْ أَنَّ "فُسَيفِساءَ" العِراقُ مَصْدَرُ ثَراءٍ وَقُوَّةٍ وَتَنَوُّعٍ لِلعِراقِ وَلٰكِنَّ الواقِعَ التارِيخِيَّ وَمِنهُ مُنْذُ التأسيس مرورا بالغزو النجدي تحت راية الجهاد وَحَتَّى الآن يَقُولَ عَكْسُ ذٰلِكَ تَماماً، بَلْ كانَ عَلَى الدَوامِ مَصْدَرٌ لِعَدَمِ الاِسْتِقْرارِ لِلغالِبِيَّةِ وَمَصْدَرِ ضَعْفٍ لِلدَوْلَةِ وَالمُكَوِّناتِ وَعُنْفٍ مُتَبادَلٍ وَمَصْدَرِ اِخْتِلافاتٍ عَدِيدَةٍ دَمَوِيَّةٍ فِي أَحْيانٍ كَثِيرَةٍ وَلَيْسَ تَنَوُّعَ وَالتارِيخَ العِراقِيَّ الحَدِيثَ مَلِيءٌ بِالشَواهِدِ فَالعِراقُ المُتْخَمُ بِالقَبائِلِ البدوية النجدية وَالحِجازِيَّةِ شِيعَتُها وَسَنَّتُها وَالطَوائِفُ وَالأَدْيانُ كانَت عَلَى الدَوامِ صانِعَةً وَمُنْتِجَةً لِعَدَمِ الاِسْتِقْرارِ، وكذا الامر في البلدان المختلفة حسب شدّة وسيطرة البداوة فيها.
وَبِتَلْخِيصِ ما سبق نَرَى أَنَّ اِبْنَ خَلْدُونَ رَكَّزَ عَلَى العَصَبِيَّةِ القَبَلِيَّةِ، وَرَبَطَها بِالدَوْلَةِ وَالمَلِكِ مِن ناحِيَةٍ وَبِالدِينِ مِن ناحِيَةٍ أُخْرَى، ومن ثم نَعْتَقِدُ أنها سَخِرَت الدِينُ مِنْ أجل المَلِكِ وَالسُلْطَةِ، وَاِسْتَخْدَمَت تِلْكَ المَفاهِيمَ والإشارات الدِينِيَّةَ مِن أَجْلِ أَنْ تُحَقِّقَ أَهْدافَها فِي السَيْطَرَةِ وَالتَمَلُّكِ، وأوضح مثالاً وَأَقْرَبَها إلينا الحَرَكَةَ الوَهّابِيَّةَ الَّتِي اِسْتَغَلَّت الدِينَ مِنْ أجل شَرعَنَةِ الغَزْوِ وَالضَمِّ، وَسَنُتابِعُ فِي فَقْراتٍ أُخْرَى هٰذا المَوْضُوعَ.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي