|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 3 / 3
إن"الترجمة، والأدب المقارن، وأدب الرحلات، مصطلحات ارتبطت فيما بينها؛ إذ من الصعب وضع حدٍّ فاصلٍ بينها. وقد أدّت هذه الحقول المعرفية دورًا بارزًا في الكشف عن تراث الأمم السابقة، وما تزال تؤدي هذا الدور إلى اليوم، كما يعود لها الفضل في ظهور كثير من المصطلحات الأدبية المرتبطة بها، كالتوازي، والتقاطع، والفرانكفونية، والتأثير والتأثر، والمثقافة وغيرها، وهي مفاهيم أسهمت في تلاقح الثقافات وتلاقيها، وفتحت المجال أمام الدارسين للكشف عن علاقات وثيقة بين ثقافات الأمم قديمها وحديثها( ).
وعند الحديث عن الترجمة لا بد أن يتصل الحديث بالاستشراق والأدب المقارن، ودور المستشرقين والرحالة وغيرهم في تلاقي الثقافات والأمم والأديان والعلوم كافة. فالترجمة حقل معرفي مشترك يؤدي دور الوسيط بين النص الأصلي (لغة المصدر) واللغة التي ينتقل إليها النص (لغة الهدف). وهي، إلى جانب ذلك، فعلٌ إبداعي، ونشاطٌ لغوي، وضرورةٌ حضارية، بل وموقفٌ أيديولوجي في كثير من الأحيان، تؤطره طبيعة العلاقات المتبادلة بين مجتمعي النص في لحظة تاريخية معينة( ).
والمترجم — على اختلاف توجهاته — تحكمه ثقافته وتصوراته الفكرية وقدرته اللغوية؛ إذ لا بد أن تتوافر فيه هذه المقومات حتى يستطيع فهم النص ونقله بأمانة. كما ينبغي أن يكون متمكنًا من لغة النص الأصلي إدراكًا لأبعاده الدقيقة وموتيفاته الصغيرة، حتى ينقل أفكاره العميقة بدقة وأمانة. وقد أشار القدماء إلى هذا المعنى بقولهم: "ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في الترجمة نفسها، في وزن عمله في المعرفة نفسها، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقول منها والمنقول إليها". ومن هنا كان الحديث عن الترجمة حديثًا قديمًا متجددًا؛ إذ يضفي كل عصر عليها من تطوراته وتحولاته المعرفية ما يجعلها مواكبة لحركة الأمم في مختلف مجالاتها.
وقد عرف العرب الترجمة على امتداد عصورهم المختلفة؛ ففي العهد الأموي اعتنى الأمير خالد بن يزيد بن معاوية (ت 85هـ) بالترجمة والعلوم، وكان إلى جانب مكانته السياسية مهتمًا بالكيمياء، فنُسبت إليه رسائل فيها، كما تُرجمت في عهده كتب في الطب والنجوم والكيمياء عن اليونانية. ثم ازدهرت حركة الترجمة في العصر العباسي، حتى غدت ركيزة من ركائز النهضة العلمية الإسلامية. ( )
غير أن حركة الترجمة في العصر الحديث تجاوزت نقل العلوم الطبيعية إلى نقل المناهج الفلسفية والنقدية الغربية، وهو ما كان له أثر بالغ في إعادة تشكيل طرائق قراءة التراث والنصوص. فالترجمة هنا لم تكن مجرد نقل ألفاظ ومعانٍ، بل نقلت أنساقًا فكرية كاملة، بما تحمله من خلفيات فلسفية وأيديولوجية.
ومن أبرز تجليات هذا الأثر ما نجده عند حسين مروة في كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، الواقع في أربعة أجزاء، حيث حاول إعادة قراءة التراث الفلسفي الإسلامي في ضوء المنهج المادي التاريخي، كاشفًا — من وجهة نظره — عن البُنى الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في تشكيل المعرفة الإسلامية. وهنا تبدو الترجمة وسيطًا لنقل المنهج قبل أن تكون ناقلًا للنص؛ إذ يتحول المنهج الوافد إلى أداة تفسيرية حاكمة يُعاد عبرها تأويل التراث.
ومن ثمّ، فإن الترجمة ليست فعلًا لغويًا محايدًا، بل هي خيارٌ معرفيٌّ وثقافيٌّ ذو أبعاد حضارية عميقة؛ إذ قد يؤدي النقل المباشر للمناهج دون وعي بخصوصية النموذج الحضاري إلى إسقاط تصورات مغايرة على بيئة فكرية لها مرجعياتها وأسسها الخاصة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى وعي نقدي يصاحب حركة الترجمة، يميز بين الإفادة المنهجية المشروعة وبين الذوبان في الأطر المعرفية الوافدة دون تمحيص أو مواءمة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |