الحرب في الفكر الماركسي: البنية الاقتصادية، الخلفية السياسية، والدور الاجتماعي

سعد بن علال
2026 / 3 / 3

الحرب ليست حادثًا مفاجئًا أو نزوة للقادة، ولا مجرد تصادم بين جيوش أو شعوب. إنها لحظة مكثفة من تناقضات النظام الرأسمالي، تعبير عن صراع طبقي عالمي، وتجسيد لعلاقات القوة الاقتصادية والسياسية في أبسط أشكالها وأكثرها عنفًا. لفهم دور الحرب، يجب دمج ثلاثة مستويات: التحليل الاقتصادي، الخلفية السياسية، والبعد الاجتماعي والسياسي الداخلي.
1. الحرب والاقتصاد: إنتاج الأزمات وإعادة التراكم
يؤكد التحليل الماركسي منذ كارل ماركس مرورًا بـفريدريك انجلز ووصولًا إلى فلادمير لينين أن الحرب ليست نقيضًا للاقتصاد، بل أحد أشكاله القصوى.
أ. التنافس على الأسواق والموارد: الرأسمالية نظام قائم على التراكم، فتتفاقم النزاعات حين تضيق فرص الربح أو تتنافس الكتل الاقتصادية الكبرى على الموارد الطبيعية، طرق التجارة، ومجالات الاستثمار. الحروب هي لحظة تتضح فيها هذه الصراعات على شكل مواجهات مسلحة، لكنها في جوهرها صراع على السيطرة الاقتصادية.
ب. إدارة أزمات فائض التراكم: الأزمات الاقتصادية جزء من دورة الرأسمالية. فائض الإنتاج أو تراجع معدلات الربح يدفع الدول إلى البحث عن “مخرج” عنيف: تدمير البنية التحتية ورؤوس الأموال القديمة، فتح فرص إعادة الإعمار والاستثمار المربح، إعادة تشغيل عجلة التراكم بطريقة عنيفة.
ج. الاقتصاد الحربي: في أوقات الحرب، تتحول الدولة إلى المنظم المركزي للاقتصاد: ميزانيات ضخمة للدفاع، استثمارات في الصناعات العسكرية والتكنولوجية، تعبئة شاملة للموارد الوطنية.
الاقتصاد الحربي ليس مجرد دعم للمعركة، بل أداة لإعادة ترتيب أولويات الإنتاج والسيطرة على الموارد، مع تعزيز أرباح محددة.
2. الحرب والخلفية السياسية: الشرعية، التحالفات، وإعادة التوازن
أ. إعادة إنتاج الشرعية: الحرب تُستخدم أحيانًا لتوحيد الداخل، خاصة في أوقات الأزمات الاجتماعية. خطاب “الخطر الخارجي” يحجب الخلافات الداخلية ويحوّل سخط الشعوب ضد العدو بدلًا من النظام الاقتصادي أو السياسي القائم.
ب. ميزان القوى الدولي: النظام العالمي قائم على توازنات هشة. صعود قوة جديدة أو تراجع نفوذ قوة مهيمنة يخلق توترات، قد تتطور إلى صراع مسلح لإعادة ضبط موازين النفوذ. الحرب هنا أداة سياسية لإعادة رسم الخرائط الدولية بما يخدم مصالح الكتل الاقتصادية المهيمنة.
ج. التحالفات والاصطفافات: التحالفات العسكرية ليست فقط ترتيبات دفاعية، بل أدوات لفرض النفوذ، ترتيب المصالح، وتأمين الأسواق. انهيار أو توسع التحالفات في مناطق حساسة يزيد احتمال اندلاع الصراع.
3. الحرب والدور الاجتماعي: الأمن، الاستقرار، والسيطرة الداخلية.
أ. نقد خطاب “الأمن” و”الوطنية”: الحديث عن حماية الأمن الوطني أو الاستقرار ليس سوى تغطية لمصلحة الطبقة المسيطرة. في المجتمعات الطبقية، الدولة تعبّر عن مصالح الرأسمال الكبير، والحرب تصبح وسيلة لإعادة إنتاج الهيمنة داخليًا باسم الوطن.
ب. ضبط الداخل وإعادة ترتيب الطبقات: الحرب تمنح الدولة صلاحيات استثنائية: فرض ضرائب أو تقشف باسم الطوارئ، قمع الاحتجاجات والحركات الشعبية، إعادة توزيع السلطة داخل المجتمع لصالح الطبقة المسيطرة.
4. الخلفية التاريخية والمراحل التحليلية.
ماركس: ربط الحرب بالصراع الطبقي الدولي، وميّز بين الحروب العدوانية وحروب التحرر الوطني.
إنجلز: أضاف البعد العسكري والصناعي، مبيّنًا كيف أن الثورة الصناعية والعسكرة الجماهيرية جعلت الحرب صراعًا اقتصاديًا-اجتماعيًا شاملًا.
لينين: ربط الحرب بالإمبريالية والمرحلة الاحتكارية، موضحًا أن الحروب العالمية مثل الحرب العالمية الأولى كانت نتيجة حتمية لصراع الاحتكارات وإعادة تقسيم العالم، مع دعوة الثوار لتحويل الأزمة إلى صراع داخلي ضد النظام الرأسمالي.
5. خلاصة: دور الحرب في النظام الرأسمالي
الحرب في المنظور الماركسي هي: أداة لإدارة أزمات التراكم الاقتصادي، وسيلة لإعادة تقسيم الأسواق والنفوذ الدولي، محفّز للصناعات الاستراتيجية وإعادة ترتيب الاقتصاد، آلية لإعادة ضبط الداخل الاجتماعي والسياسي، لحظة تكشف منطق الدولة والاقتصاد في أقصى درجاته.
هي لحظة يعلن فيها رأس المال عن نفسه، والسياسة عن حدودها، والاقتصاد عن تناقضاته. ليست قدرًا أبديًا للبشرية، بل نتاج بنية تاريخية محددة. تجاوزها يتطلب تجاوز النظام الذي يجعلها أداة عقلانية ضمن شروطه.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن