إعادة تأويل التراث بين الثابت والمتغير في مشروع حسن حنفي

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 3 / 2

منذ أواخر القرن التاسع عشر برزت في الأمة الإسلامية تيارات إصلاحية متعددة، انطلقت من سؤال محوري ظل يتردد في الخطاب الفكري الحديث، وهو: كيف تتحقق النهضة؟ وقد تجلّى هذا السؤال في مشاريع رواد الإصلاح مثل محمد عبده ورشيد رضا، حيث سعوا إلى إحياء الأمة عبر تجديد فهم الدين والعودة إلى الأصول مع الاستفادة من معطيات العصر.
وفي السياق نفسه، رأى رفاعة الطهطاوي أن سبيل التقدم يكمن في العودة إلى ثوابت الأمة مع الانفتاح الواعي على الغرب، بينما اتجهت رؤى أخرى إلى تبنّي النموذج الغربي بوصفه أفقًا حضاريًا بديلًا. ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم هزيمة عام 1967م، تجدد السؤال النهضوي بقوة، واحتدمت النقاشات حول أسباب الإخفاق الحضاري وسبل تجاوزه، فانقسمت الاتجاهات بين من يرى الحل في استعادة المرجعية الذاتية، ومن يرى الحداثة الغربية هي السبيل.
وفي هذا المناخ الفكري يبرز مشروع حسن حنفي بوصفه أحد أبرز المشاريع التي حاولت إعادة بناء العلاقة بين التراث والواقع. فقد صاغ مشروعه في إطار ثلاثة محاور كبرى: إعادة صياغة التراث الإسلامي، ومعرفة الغرب، والتعرّف على قضايا الواقع الإسلامي الراهن. ويؤكد أن هذا المشروع «يحتوي على ثلاثة أبعاد أو محاور: إعادة صياغة التراث الإسلامي، ومعرفة الغرب، والتعرّف على المسائل المتعلّقة بواقع المسلمين الراهن» ، وقد عرض أفكاره حول هذه الحقول الثلاثة على المستويين العام والخاص.
وينطلق حنفي من تعريف خاص للتراث يغاير التصور التقليدي الجامد؛ إذ يقول: «التراث هو كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة، فهو إذن قضية موروث، وفي الوقت نفسه قضية معطى حاضر على عديد من المستويات... وهو مجموعة التفاسير التي يعطيها كل جيل بناءً على متطلباته... وليس مجموعة من العقائد النظرية الثابتة والحقائق الدائمة التي لا تتغير»." . ومن ثمّ فالتراث عنده ليس معطًى مغلقًا، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل وفق متطلبات الحاضر.
وفي الإطار نفسه يقرر أن «التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقًا لحاجات العصر، فالقديم يسبق الجديد» "، بما يعني أن التجديد لا يقوم على القطيعة، بل على إعادة القراءة والتأويل. غير أن هذه القراءة تقوم على إعادة تأسيس موضوعات علم أصول الدين ذاتها؛ إذ يرى أن «موضوعات علم أصول الدين موضوعات شعورية أساسًا يمكن تأسيسها عقلًا وبناؤها واقعًا» ، وهو ما يكشف عن نزعة عقلانية واضحة في إعادة صياغة البنية العقدية.
كما يؤكد أن «التوحيد ثابت، ولكن تختلف أوجه فهمه طبقًا لحاجات العصر، وحرية الإنسان وعقله ومسؤوليته ثابتة أيضًا، ولكن تختلف طرق ممارستها من عصر إلى عصر» ، مما يدل على حضور البعد التاريخي في فهم المفاهيم العقدية، بحيث تصبح دلالاتها مرتبطة بشروط العصر وسياقاته.
ويتصل هذا التوجه بتأثره الواضح بالفلسفات الغربية الحديثة، لا سيما المنهج الفينومينولوجي والنزعة النسبية، نتيجة احتكاكه بالفكر الغربي، وتأثره بعدد من فلاسفته، ومن أبرزهم باروخ سبينوزا، الذي ترجم له كتاب رسالة اللاهوت والسياسة سنة 1971م، انطلاقًا من «ضرورة تعريف المثقفين والباحثين والمواطنين بأبحاث الغير، وجرأتهم الفكرية على السلطة، دينيةً أو سياسيةً» .
وبذلك يتبين أن مشروع حنفي لا يقف عند حدود إعادة عرض التراث، بل يتجه إلى إعادة بنائه معرفيًا، من خلال قراءة تاريخية عقلانية، تتعامل معه بوصفه خبرة إنسانية قابلة لإعادة التأويل، لا نصًا مقدسًا مغلق الدلالة، وهو ما يجعله أحد أبرز ممثلي الاتجاه الحداثي في الفكر العربي المعاصر.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي