|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 3 / 1
ينطلق نصر حامد أبو زيد في تقديم مقاربته حول قراءة النص القرآني من التراث، بخلاف محمد أركون الذي يقيم قطيعة مع التراث. إذ يرى أبو زيد أن: «التراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية، والتجديد هو إعادة تفسير التراث طبقًا لحاجات العصر، فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة.. إن التجديد يقوم على أساس وجود أصل قديم» .
غير أن أبا زيد، رغم انطلاقه من التراث والعودة إليه، يسعى إلى تقديم مقاربة حداثية في عرضه وتناوله؛ فهو — في هذا الإطار — لا يختلف جوهريًا عن أركون، إلا في كونه استدعى التراث من حيث الشكل والمنطلق، أما من حيث النتائج والمآلات المنهجية فالمحصلة واحدة.
ويؤكد أبو زيد أن النص يصف نفسه بأنه رسالة، والرسالة تمثل علاقة اتصال بين مُرسِل ومستقبِل من خلال شفرة أو نظام لغوي. ولما كان المُرسِل — في حالة القرآن — لا يمكن أن يكون موضوعًا للدرس العلمي، فمن الطبيعي — في نظره — أن يكون المدخل العلمي لدراسة النص القرآني هو مدخل الواقع والثقافة؛ أي الواقع الذي ينتظم حركة البشر المخاطبين بالنص، وينتظم المستقبِل الأول للنص، وهو الرسول، والثقافة التي تتجسد في اللغة. وبذلك يكون البدء في دراسة النص بالثقافة والواقع بمثابة بدء بالحقائق الإمبريقية .
ولعل الحديث عن دور الواقع والثقافة في تشكيل هذه النصوص يمثل — عنده — نقطة الانفصال، وربما التدابر، بين منهج هذه الدراسة والمناهج الأخرى التي يتبناها الخطاب الديني المعاصر؛ إذ تُعطى الأولوية — في تلك المناهج — للحديث عن الله عز وجل (قائل النص)، ثم عن النبي صلى الله عليه وسلم (المستقبِل الأول)، ثم يأتي الحديث عن الواقع تحت عناوين: أسباب النزول، والمكي والمدني، والناسخ والمنسوخ. ."
ومن هنا يوضح أبو زيد المنهج الذي تنهض عليه قراءته للنص؛ فهو يرفض مسألة المرجعيات الكبرى أو العليا، ويجعل قراءة النص خاضعة للمرجعية العقلية بصورة مباشرة، وهو ما يُعدّ لبَّ المشروع الحداثي، حيث يعتبر النص ناتجًا عن التفاعلات الاجتماعية والتاريخية، بما يجعل قراءته قراءة تاريخية خاضعة لشروط الواقع، دون الرجوع إلى المرجعية العليا.
كما يرى أبو زيد أن التحدي في قراءة النص يتمثل في تنحية البعد الإلهي، لأن النص — في تصوره — يقوم على علاقة مرسِل ومستقبِل، والمرسِل، وهو الله عز وجل، لا يمكن أن يكون محل دراسة علمية؛ ومن ثم فإن المخرج الحقيقي في قراءة النص يتمثل في الوقائع الاجتماعية والقراءة التاريخية. وهو في ذلك متأثر باللسانيات البنيوية.
وبهذا يتبين أن قراءة نصر حامد أبو زيد للنص القرآني لا تقف عند حدود إعادة تفسير التراث أو تجديد أدوات فهمه، بل تمتد إلى إعادة تعريف طبيعة المرجعية ذاتها التي يُحتكم إليها في عملية الفهم. فإذا كانت المناهج التراثية تنطلق من مرجعية عليا تجعل الوحي مصدرًا حاكمًا على العقل وموجهًا له، فإن القراءة الحداثية — كما تتجلى في مقاربة أبي زيد — تنقل مركز الثقل من المرجعية المتعالية إلى المرجعية التاريخية والعقلية، بحيث يصبح الواقع والثقافة هما الإطار التفسيري الأول للنص.
ومن هنا تتضح إشكالية المرجعية في الخطاب الحداثي عمومًا؛ فهي ليست مجرد اختلاف في أدوات التحليل أو مناهج القراءة، بل هي اختلاف في موقع السلطة المعرفية: أهي للنص بوصفه وحيًا متعاليًا، أم للعقل والواقع بوصفهما شرطين تاريخيين للفهم؟ وبقدر ما يقدّم هذا التحول نفسه باعتباره تجديدًا منهجيًا، فإنه يثير تساؤلًا عميقًا حول حدود هذا التجديد ومدى اتساقه مع التصور العقدي الذي يجعل للوحي مكانة تأسيسية لا يمكن تنحيتها أو إعادة تعريفها ضمن شروط القراءة التاريخية.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |