|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

أحمد كامل ناصر
2026 / 2 / 28
يعرض هذا المقال قراءة تحليليّة شاملة للأفكار العميقة التي طرحتها الدكتورة إيمان يونس في المقابلة التي أجرتها مع الإعلاميّة ديمة الجمل ضمن سلسلة حلقات البودكاست المقدّم من مجمع اللغة العربيّة/ حيفا.
تنطلق الدكتورة إيمان يونس في رؤيتها لمستقبل الإبداع من قناعة أساسيّة مفادها أنّ الانتقال نحو العالم الرقميّ ليس مجرّد موجة مؤقتة، بل هو استحقاق طبيعيّ لتطور حياتنا التي باتت تتطلّب أدوات تعبيريّة تواكب لغة العصر. ومن هذا المنطلق، قدّمت الدكتورة ايمان رؤية تتجاوز المقارنة التقليديّة بين الكتاب الورقيّ والشاشة، لتبحث في علاقة الأدب بالتكنولوجيا؛ وهي علاقة قديمة بدأت منذ زمن بعيد مع قصص الخيال العلميّ وحتى في جذور "ألف ليلة وليلة"، لكنّ الفارق اليوم يكمن في أنّ الأدب لم يعد يكتفي بوصف التكنولوجيا، إنّما أصبح يولد من داخلها، مستفيدًا من كلّ إمكانات الإنترنت والذكاء الاصطناعيّ ليخلق تجربة إبداعيّة لا يمكن أن تتحقّق خارج الفضاء الرقميّ.
وفي هذا الإطار، توضّح الدكتورة ايمان الفرق الجوهريّ بين "الأدب المرقمن"، الذي يكتفي بنقل النصّ من الورق إلى الشاشة دون تغيير في جوهره، وبين "الأدب الرقميّ" الحقيقيّ الذي يدمج الكلمة بالتقنيّة دمجّا كاملّا؛ إذ لا يمكن طباعة هذا النوع الأخير على الورق لأنّه يعتمد في وجوده على الروابط التشعبيّة والمؤثرات السمعيّة والبصريّة التي تمنح النصّ حياة وتفاعلًا لا يظهران إلا خلف الشاشات. وقد أدّى هذا التحوّل إلى ظهور أنواع أدبيّة جديدة تمامًا لم نعهدها من قبل، مثل الرواية الترابطيّة وشعر الوسائط المتعدّدة، بالإضافة إلى الأنماط المختصرة التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعيّ، مثل نصوص "تويتر" المكثفة والقصص المصورة عبر "إنستغرام"، والتي تعكس سرعة إيقاع الحياة التي نعيشها اليوم.
ويمتدّ هذا التغيير ليشمل الطريقة التي نكتب بها ونقرأ، حيث تشير الدكتورة إلى ظهور "الرواية التشاركيّة" عبر فيسبوك، والتي سقطت فيها الحواجز بين الكاتب والقارئ؛ فالمؤلف يطرح فصلاً من عمله ثم يكمل الأحداث بناء على تعليقات ومقترحات الجمهور، كما رأينا في تجربة الكاتب عبد الواحد استيتو. وبالتوازي مع ذلك، ساهم العالم الرقميّ في إعطاء الفرصة لأصوات أدبيّة كانت بعيدة عن الأضواء، مثل: الأدب الشعبيّ والمكتوب بالعاميّة، وهو ما تمثّل بوضوح في تجربة غادة عبد العال وروايتها "عايزة أتجوز"؛ إذ أتاح الإنترنت لهذا النوع من الكتابة أن ينتشر ويتحوّل إلى ظاهرة اجتماعيّة وفنيّة واسعة، مما حقّق نوعًا من "الديمقراطية" في النشر جعلت الإبداع متاحًا للجميع بعيدًا عن تعقيدات دور النشر أو تكاليف الطباعة المرتفعة.
أمّا فيما يتعلّق بالمستقبل، فإنّ الدكتورة إيمان تضعنا أمام تحديات الذكاء الاصطناعيّ الذي بدأ يدخل شريكًا في عمليًة الكتابة، كما حدث في تجربة عبدة حقي الروائيّة، مما يطرح أسئلة فلسفيّة حول من هو "المبدع الحقيقيّ" في ظلّ هذا التداخل بين ذكاء الإنسان وقدرة الآلة. وبينما تشيد الدكتورة بالدور الرائد للكاتب الأردنيّ محمد سناجلة في هذا المجال وبالحركة النقديّة النشطة في المغرب العربيّ، فإنّها تعبّر عن أسفها لغياب هذه التجارب في المشهد الفلسطينيّ المحليّ، وهو ما يدعونا للتساؤل عن مدى قدرتنا على دمج خصوصيتنا الوطنيّة وقضايانا الإنسانيّة في هذا العالم الرقميّ المتسارع.
وبالرغم من اتفاقي مع هذه الرؤية المستقبليّة الواعيّة، إلا أنّني أرى ضرورة التفكير بهدوء في نتائج هذا التحوّل؛ فاعتماد القارئ على الروابط والانتقال السريع بين النصوص قد يؤدّي إلى تشتّت الذهن وضعف القدرة على القراءة العميقة والتأمّل التي تعودنا عليها مع الكتاب الورقيّ. كما أنّ فتح باب النشر للجميع، رغم إيجابياته، قد يغرقنا في كمّ هائل من الكتابات السطحيّة التي تتبع "الموضة" أو عدد المشاهدات، مما يزيد من صعوبة دور الناقد في تمييز الأدب الحقيقيّ المبدع. وبناء عليه، يظلّ الإبداع في جوهره تعبيرًا عن مشاعر الإنسان العميقة التي لا تستطيع أيّ آلة تقليدها، ويظلّ التحدّي هو كيف نستخدم هذه التكنولوجيا بذكاء لنرتقي بالأدب، مع الحفاظ على "روح الإنسان" وبلاغة الكلمة لكي لا نفقد هويتنا في زحام العالم الرقميّ الافتراضيّ.
الطيرة - 28.2.2026
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |