عصرنا بلا أعلام 1

خالد محمد جوشن
2026 / 2 / 28

فى عدد مجلة الرسالة رقم 375 بتاريخ 9 سبتمبر 1940
عن للدكتور زكى مبارك ان يقوم بتشريح معارف زمانه من حيث قدرتهم على الخطابة والحديث وعدد منهم سعد زغلول وطه حسين وعبد اللطيف الصوفانى وعلى فهمى كامل ومصطفى كامل وكان قريب العهد به والشيخ عبد العزيز جاويش ومكرم عبيد والنقراشى باشا والنحاس باشا ومحمد حسين هيكل ومحمد محمود باشا وثروت باشا وحافظ عفيفى باشا وطلعت حرب باشا وحلمى باشا عيسى وابراهيم عبد الهادى واحمد لطفى السيد باشا
سبعة عشرة علم من اعلام الادب والبيان والسياسة فى عصر واحد ، ترى لو حاولنا الان ان نعدد اعلام عصرنا هل نستطيع ان نعد رقما على اصابع اليد الواحدة نستطيع ان نتيه به ؟
امر حزين للغاية ويفتح عشرات الاسئلة حول هذا الجدب الرهيب الذى يملا حياتنا الثقافية والسياسية ، ماذا حدث ؟
ولنعد الى المقال سالف البيان :
عجب فريق من القراء من حكمنا على الزعيم سعد زغلول خطيبا ، وهددنا أحد الرفاق الاعزاء بكتابة فصل ينقض به حكمنا من الاساس ، وعاتبنى بعضهم على ذلك الحكم الصريح فقلت : إنما سجلت احساساتى بصدق ، ولا موجب للمواربة فى الحكم على خطيب لم تكن الخطابة الا عنصرا واحدا من عناصر كثيرة تألفت منها قوته الذاتية ، فمجده لا يقف عند القول بأنه كان من أخطب الخطباء . وأواجه الموضوع مرة ثانية خدمة للتاريخ الأدبى فأقول :
كن يهمنى من عهد بعيد أن أدرس العصر الذى اعيش فيه دراسة صحيحة ، وأن اوازن المواهب عند من الاقيهم من أهل الفكر والرأى والبيان، وقد يتفق أحيانا أن أشغل نفسى بدراسة الوجوه والملامح ، وربما توغلت فدرست الصلات المجهولة من بين ما يظهر الناس وما يضمرون ، فإن رأى بعض القراء خطأ فى بعض ما أصدره من الاحكام الادبية على أن أهل هذا الجيل ، فلا يرجع ذلك الخطأ فى المسارعة فى حكم بلا روية ، وإنما يرجع الى انى قد لا اوفق الى الصواب مع الحرص الشديد على النظر والتدقيق .
والحق انى مفتون بنفسى من هذه الناحية ، ولا أعترف بأنى قد أخطى إلا تجنبا للوقوع فى اللجاجة مع بعض القراء مع انى أومن بأن الكبر المطبوع أخف روحا من التواضع المصنوع .
وأقول بعبارة صريحة أن التعبير اللسانى له فنون ، وقد تدق الفروق بين تلك الفنون ، ثم تدق حتى يصبح من العسير أن تضع لها الموازين ، ومن هنا ينشاء الخلاف فى الحكم على طبقات المثقفين المتحدثين والخطباء .
وأضرب المثل بالفرق بين المحاضر والخطيب ، فالمفهوم أن المحاضرة والخطابة فنان يقتربان أشد الاقتراب ، لانهما فى ظاهر الامر يرجعان الى اصل واحد ، ومع ذلك ترى القدرة على المحاضرة والخطابة تتفاوت اشد التفاوت عند الرجل الواحد فى بعض الاحيان .

فالدكتور طه حسين محاضرا يعد فى الطبقة الاولى بين المحاضرين ، ولو راعينا أن الدكتور طه لا يستطيع أن يهيىء كلاما يأخذ بعضه برقاب بعض فى دقائق تقارب الستين لجاز الحكم بلا مجاملة الدكتور طه هو المحاضر الاول فى هذا الجيل .
ومالى لا اقول الحق كل الحق فأصرح بأنى لم أشهد فى مصر محاضرا يماثل الدكتور طه فى جهارة الصوت ونصاعة الاداء ؟
ولكن طه حسين خطيبا مخلوق اخر فهو فى الطبقةالحادية والعشرين بين خطباء هذا الزمان ، وما سمعت الدكتور طه يخطب الا وأشفقت عليه ، فمن العجيب ان الرجل الذى لا ينحبس ولا يتوقف وهو يحاضر قد يتعرض لابشع ضروب العى وهو يخطب ، فمن أين جاءت هذه الفروق بين الموقفين مع قرب الصلة بين موقف المحاضر وموقف الخطيب ؟
ايرجع السبب الى ان الدكتور طه محدث بارع ، والمحاضرة فن من الحديث ؟
أم يرجع السبب الى أن الدكتور طه يجرى على فطرته وهو يحاضر فيسلس له القول ، ويتكلف وهو يخطب فيمتع بمزايا المتكلفين من الفضلاء ؟
هذا موضوع يصلح للدرس ، وهو من الدقة بمكان . واذكرشاهدا اخر يوضح هذه القضية بعض التوضيح .
كانت صحبتى طالت لفقيد الوطنية والدين عبد اللطيف الصوفانى ، وكنت اراه افصح الناس حين يدور الحديث خول المطالب القومية ، ثم سنحت فرصة وجب فيها ان يقف ليخطب ، فرأيت البون شاسعا جدا بين الصوفانى المحدث والصوفانى الخطيب ، ولعل شاعرنا شوقى راعى هذا المعنى حين قال وه يرثيه :
ما كان قسا ولا زيادا ولا بسحر البيان جاء
لكن اذا قام قال صدقا وجانب الزور وال والرياء
وعرفت خطباء لايجيدون الا حين يحفظون خطبهم عن ظهر قلب ، ومن هؤلاء المرحوم علىفهمى كامل الذى مات فى رثاء شهيد الوطنية محمد فريد .
وانما قضيت بهذا لانى سمعته مرة يخطب نحو ساعتين بلا تلعثم ولا تردد ، وكان ذلك فى كلية مصطفى كامل فى احدى ذكريات الزعيم الاول ، وبعد انفضاض الاحتفال بوقت قصير ظهرت جريدة اللواء وفيها خطبة على فهمى كامل ، فرأيت النص المكتوب عين النص المسموع ، بلا تقديم ولا تأخير ، وبلا زيادة ولا نقصان .
ويؤكد من عرفوا الزعيم الخالد مصطفى كامل انه كان يحفظ خطبه عن ظهر قلب ، ويؤيد هذا خطبته التاريخية على مسرح زيزنيا بالاسكندرية ، وهى اعظم خطبه ، وبها ختم حياته الخطابية ، وأسوبها يشهد بأنه نظمها نظما ثم حفظها قبل ان يلقيها على الناس .
فكيف كان على فهمى وهو يتحدث ؟
كان أعجوبة الأعاجيب فى قوة الاداء ، وكان يطبق اسنانه بعنف فى المواطن التى تحتاج الى تأكيد ، وكان يحفظ الارقام مهما بعد عهدها فى التاريخ ، فلم يكن من الصعب عليه أن يذكر اليوم الذى وقع فيه حادث مأثور فى أى عهد من العهود .
وقد حملته الثقة بالنفس على أن يتقدم للانتخابات فى دائرة السيد زينب منافسا للزعيم سعد زغلول ، فلما راجعته فى ذلك غضب وثار وأعلن ان انتصار سعد زغلول عليه ابعد تصورا من المستحيل .
والمهم هو النص على ان على فهمى كامل المحدث غير على فهمى كامل الخطيب ، لبعد ما بين الحالتين من العنف واللطف ، والفطرة والطبع .
ولم اشهد على كامل يرتجل الخطابة الا مرة واحدة فى نوفمبر 1920 وقد وقف يخطب على قبر محمد فريد وهتف هاتف : يحيا سعد ، فاغتاظ الرجل واندفع فى تجريح سعد بقوة قاهرة فرضت على السامعين ان يلوذوا بالصمت والخشوع ، فى وقت لم يكن يجروء فيه أحد على ان يذكر سعدا بغير الجميل .
والى تتمة المقال فى وقت لاحق .

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن