غياب الخصوصية في الانترنت

محمد لفته محل
2026 / 2 / 27

ترافق ظهور الانترنت في اذهان كثير منا بالحداثة والتقدم كجزء من الثورة المعلوماتية، بالتوازي مع حملة اعلامية تدعم وتعزز هذا التصور عن هذه الشبكة.
تمثل الظهور الاول لهذه الشبكة في المنطقة العربية بمراكز الانترنت المراقبة حكوميا، والتي كان ارتيادها لأشياء ضرورية تتعلق بالبحوث او طلب معلومات من نوع ما. ثم اضيف الى طلب المعلومات طلب الترفيه عندما انتقل الانترنت من يد الحكومة الى القطاع الخاص في المقاهي العامة، بعدها انتقل من المقاهي الى البيوت واصبح متعدد الاستعمالات، واخيرا اصبح ضرورة عندما ادمج بالهواتف الذكية النقالة ومتعدد الاستعمالات (ترفيهية وتواصلية واقتصادية ومعلوماتية واجرامية الخ)، حتى بات ضرورة ليس شخصية انما ضرورية بيروقراطية في كثير من دوائر الحكومة.
لقد نما لدينا اعتقاد اخر هو ان زوال الرقابة الحكومية المباشرة يعني ان هذه الشبكة اصبحت متحررة من الرقابة، وهذا الوهم (الاعتقاد) جعلنا نتعامل مع هذه الشبكة بدون ادنى حذر او حيطة، غير مدركين اننا نعرض انفسنا لمخاطر نجهلها، على راسها الاختراق وسرقة البيانات الخاصة بنا على الشبكة او في اجهزتنا اللوحية الخاصة، ومراقبة كل نشاطنا على الشبكة وحفظه في سجلات دائمة (ارشيف اميركي) وهذه المراقبة لا تتعلق بأي شبهة جنائية او نشاط غير قانوني مثلما يتصور لأول وهلة، انما هذه المراقبة جزء لا يتجزأ من الشبكة! نعم لا تتعجب ان تكون مراقب دون توجيه تهمة ودون وجود ذنب او مخالفة. لان هذه المراقبة بحد ذاتها هدف للدول لأهداف شتى من حجة الامن القومي الى استخدام هذه البيانات لأغراض خاصة بها.
قلل الكثير من العامة هذه الرقابة معتقدين انها خطر فقط على المشبوهين، لكنني سألت كل شخص هوّن من هذه المراقبة: "لو ان شخصا يراقبك طوال النهار من نافذة البيت او يجلس في بيتك طوال النهار، هل تقبل بهذا الوضع؟" وكان الجواب الرفض بالقطع. وهنا تكمن قوة هذه المراقبة وهي سريتها ولامرئيتها. لأننا لا نرى هذا المراقب بأعيننا، فإننا لا نكترث له.
يكفي ان نرى رد الفعل الساسة الاميركان تجاه تطبيق "تيك توك" حتى نعرف ماذا تمثل هذه التطبيقات من خطورة. وهذه الخطورة ليست في انتهاك الخصوصية ولا التجسس، لان كل التطبيقات الاميركية تقوم بنفس الافعال القذرة التي يقوم بها التطبيق الصيني واكثر. وكل مافي الامر ان هذا التطبيق لا تعود ملكيته لشخص اميركي فقط. اي ان اميركا تريد ان تحتكر التجسس على الناس من طرف واحد فقط ولا تريد احد ان يشاركها هذا التجسس. فالقضية لاعلاقة لها بجانب قانوني او اخلاقي، فهذه الشركات المتحالفة مع السياسة الاميركية لا توجد في قواميسها مفردة مثل "الاخلاق" او "سيادة القانون" وتستخدمها بانتقائية ضد خصومها.
كل هذا يدل على ان هذه الشبكة خطرة ويجب على كل فرد ادراك مخاطرها قبل استعمالها بوعي ومسؤولية والتخلص من فكرة ان هذه الشبكة محايدة او اشبه بالمنظمة الخيرية. لان هذا الوهم خطر بحد ذاته. هذه الشبكة تعود لشركات مرتبطة بالسياسة الاميركية تبتغي الربح المالي والتعاون مع الأمن القومي الاميركي.
كل هذه الملاحظات السابقة دفعتني للملاحظات التالية، هل من المصادفة ان ارتباط الهواتف الذكية بالأنترنت رافقه صعوبة فصل البطارية عن الجهاز! (وكيف لهذه الاجهزة ان يعمل المنبه وهي مطفأة؟) ولماذا وجدت الكاميرا الامامية للهاتف تحت مسمى "سليفي" برغم وجود كاميرا خلفية للجهاز؟ ولماذا ترافقت بصمة العين او الوجه او الابهام مع خصوصية هذه الاجهزة؟ الجواب هو لأغراض المراقبة الدائمة وحفظ البيانات الخاصة لكل فرد. فمادامت البطاريات مربوطة بالجهاز اللوحي فهذا يعني استمرار بالمراقبة حتى لو كان الجهاز مطفأ. والكاميرا الامامية موجودة لتصوير وجوهنا وحفظها لديهم (الولايات المتحدة او الدولة القومية). ثم اليس من الغريب ان يوجد الانترنت في اجهزة لا تحتاج لذلك مثل وجوده في اجهزة المنزلية (تكييف، براد، تلفاز، ساعة يد، كاميرة منزل) او في السيارات، رغم وجود هواتف متصلة بالشبكة في جيوبنا؟ الجواب ايضا لأحكام المراقبة علينا بطريقة شاملة في اي جهاز يعتبر ضروري لنا. الاكثر من هذا ان هذه المراقبة ليست في اجهزتنا فقط، انما كل جهاز لوحي متصل بالانترنت، لان بصمة صوتنا معروفة وتستطيع اجهزة الاخرين القريبن منا، التعرف على صوتنا واعطاء الخوارزمية ماكنا نتكلم به، علاوة على ارسال موقعنا وتسجيل كلامنا اذا كان جهازنا غير موجود معا.
بدأت انتبه للاحصاءات التي تتحدث عن النسبة المئوية للدخول الى الموقع الفلاني في دولة ما، او عن الاختراق المضاد مثل فتح كاميرات البيوت، او كاميرات الهاتف او تشغيل التسجيل الصوتي لاي جهاز متصل بالشبكة بدون علم صاحبة. كذلك استخدام تطبيق الوات ساب في الحرب على ايران عندما مارس عملية تظليل للمواطنين. كل هذا يعني ان هذه الشبكة غير آمنة سواء استخدم الاختراق لاغراض الخير او اغراض الشر وانها غير محايدة في اي صراع. ويكفي ان نقرأ كتاب ادوارد سنودن "سجل دائم" حتى نعرف مدى الاختراق الحاصل عالميا تجاه الناس في شتى انحاء الارض من الحكومات والشركات.
عندما بدأت ابحث الموضوع على الشبكة وفي بعض الكتب، وجدت اكثرها تركز على الامن من المخترقين الافراد والمحتالين دون الاشارة لدور الدول والشركات كخطر يفوق الخطر الاول. ثم حدث ما هو اكثر من ذلك عندما نزّلت كتاب "سجل دائم" لادوارد سنودن، قامت وكالات الاستخبارات الاميركية بارسال برمجيات خبيثة للكومبيوتر الخاص بي، وعبثوا بالبريد الالكتروني فقدت امكانية الدخول اليه، وبدأوا يعرقلون نشاطي على جوجل مثل الظهور المتكرر "هل انت انسان الي" او تحويل خلفية كوكل الى سوداء بدون ارادتي وغيرها من افعال تتسم ب"الديمقراطية" حيث ان مجرد معرفة المراقبة يعتبر جنحة لديهم!!.
ليس الغرض من هذا الكلام شيطنة الانترنت انما الوعي بمسؤولية بالتعامل معه، واول خطوات الاستخدام الامن هو عدم حفظ الاشياء الخاصة على هذه الاجهزة او تشفيرها ببرامج تحميها من الاختراق، واطفاء الانترنت بعد الانتهاء من استخدامه (الراوتر) ثانيا الابتعاد عن التطبيقات التي نجدها مقترحة للمشاركة في الفيديو، فهذا مؤشر على تعاملها النشط مع وكالات الاستخبارات، واستخدام تطبيقات غير اميركية مشفرة، (يمكن البحث عن معلومات اي تطبيق بالشبكة) مثلا تطبيق سينغال او تلغرام كوسائل تواصل، واستخدام محرك بحث آمن غير جوجل. ضرورة وضع ملصقات على الكاميرا الامامية للهاتف ورفعها عند الاستعمال فقط ثم اعادتها، لان الشركات والمخترقين يمكن لهم فتحها دون علمنا.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي