حكومات المنابر في زمن أسلحة الخيال العلمي

العفيفي فيصل
2026 / 2 / 25

في الوقت الذي تُدار فيه بعض مجتمعاتنا المسلمة السنيّة منها والشيعيّة بخطب الوعظ، وإعادة تدوير النصوص القديمة على المنابر، يتحرك العالم بسرعة الضوء نحو عصر لم تعد فيه الحروب تُحسم بعدد الجنود ولا بالشعارات، بل بالخوارزميات والذكاء الاصطناعي والطائرات بلا طيّار، والمشكلة ليست في التدين بحد ذاته، بل حينما تمّ تحويله إلى بديل عن التفكير الاستراتيجي والعلمي، حتى صار القرار السياسي يُنتج فوق السجادة أكثر مما يُنتج داخل مراكز البحث.
بينما تُنفق المؤسسات العسكرية في الغرب وفي الصين مليارات الدولارات على تطوير أسلحة تعتمد على التكامل بين الذكاء الاصطناعي والقيادة، والمقاتلات الشبحية، وأنظمة استشعار فضائية، والحروب السيبرانية والجيوش الروبوتية، لا يزال بعض الخطاب السياسي في بلدان خير أمة أخرجت للناس يراهن على الدعاء الميتافيزيقي، وظهور المهدي، والهجوم على غير المحجبات وعلى التماثيل الحجرية وعلى المفطرين في رمضان، باعتبار هذه الخطوات هي خطة النهضة للخروج من التخلف، ولاسترجاع المجد الضائع ... العالم العسكري اليوم وخصوصا الولايات المتحدة، له مشاريع تسليح مثل التي كنا نشاهدها في الأفلام السينمائية كفيلم Star Wars، ومثلما تخيّلته مسلسلات الخيال العلمي كمسلسل Black Mirror الذي تنبأ بالمستقبل وكيف ستتحكم فيه البيانات، بينما في العالم الآخر يتّم اختزال مفهوم القوة في خطب حماسية (الموت لأمريكا)، أو في شعارات أخلاقية لا تصنع كلاشينكوف تقليدي فكيف بالتكنولوجيا العسكرية الذكية والشبحية.
الأزمة الحقيقية ليست نقص الموارد ولا نقص الكفاءات، بل عقلية سياسية ومن خلفها ثقافة اجتماعية تعتقد أن إدارة الدولة تشبه إدارة حلقة وعظ، وهذا خطأ قاتل، لأن الدولة الحديثة لا تُبنى بالخطب وقصص الأولين بل بالمعرفة، ولا تُحمى بالشعارات بل بمراكز البحث العلمي، ولا تُدار بالعاطفة بل بالمؤسسات وقوانينها المتوافقة مع روح العصر والحداثة، أما لما يتحوّل المنبر إلى بديل عن مركز الدراسات، فإن التخلف هو نتيجة منطقية لا مؤامرة خارجية.
إن أخطر ما يمكن قوله الآن أنّ الحروب صارت تُصنع داخل المختبرات، وعليه لا مكان للدول التي ما زالت تُدار من فوق السجادة (أنظمة العمائم).

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن