القصيدة التي تقلق قارئها

أحمد كامل ناصر
2026 / 2 / 24

لطالما ارتبط الشعر بالمناسبة، فكان مدحًا أو رثاءً أو احتفالًا يمرّ سريعًا مع الحدث، ليظل أثره محدودًا بزمنه. لكن الشعر الحقيقيّ يتجاوز ذلك، ليصبح مساحة للتساؤل والشّك والتأمّل، حيث لا يقدم إجابات جاهزة، ويترك أبوابًا مفتوحة للمعنى. في هذا السياق، يتحوّل الشاعر من ناقل لمشاعر محدّدة إلى صانع أسئلة، ويصبح القارئ شريكًا في النصّ، يعيد اكتشافه ويكمل دلالاته. هذا المقال يستكشف كيف تتحوّل القصيدة حين تربك اليقين، وتصبح تجربة وجوديّة تتشارك فيها الكتابة والقراءة في إنتاج المعنى.
لم يعد السؤال النقديّ المعاصر: ماذا تقول القصيدة؟ بل كيف تقول، ولماذا تقول، وما الذي لا تقوله؟ فهذا التحوّل ليس مجرّد تبدّل في طريقة القراءة، لكنّه انتقال عميق في تصور ماهيّة الشعر ووظيفته. لقد ظلّ الشعر زمنًا طويلًا أسير المناسبة، مرتبطًا بحدث عابر أو غاية مباشرة، فكان يقرأ بوصفه استجابة ظرفيّة أكثر من كونه تجربة معرفيّة. غير أنّ الكتابة الشعريّة الحديثة أخذت تتجه نحو أفق آخر يمكن تسميته بالشعر الوجوديّ، وهو شعر لا يطمح إلى تثبيت معنى نهائيّ، ويسعى بدلًا من ذلك إلى خلخلته، ولا يهدف إلى إغلاق الدلالة، بل يفتحها على احتمالات متعدّدة.
الشعر "المناسباتي" يقوم على يقين ضمنيّ: الشاعر يعرف ما يريد قوله، والمتلقي يعرف كيف يستقبله. أمّا الشعر الذي يشتغل في أفق وجوديّ فإنّه ينطلق من منطقة الشكّ، من المسافة بين التجربة واللغة، من التوتّر القائم بين ما يقال وما يتعذّر قوله. هنا لا يعود النصّ تقريرًا شعوريًا أو وصفًا مباشرًا، بل يتحوّل إلى حقل دلاليّ متحرّك تتجاور فيه المعاني وتتعارض أحيانًا. قيمة القصيدة، وفق هذا التصوّر، لا تقاس بمدى مطابقتها للمناسبة أو الحدث، وإنّما بقدرتها على زعزعة البداهات وكشف هشاشة المسلمات. القصيدة الحقيقيّة ليست تلك التي تقدّم إجابة جاهزة، بل تخلق حاجة دائمة إلى التأويل.
من هذا المنطلق تتحدّد مسؤوليّة الشاعر بوصفه صانع دهشة معرفيّة، لا مجرّد ناسج صور بلاغيّة. فالشاعر لا يصف العالم كما هو، بل يعيد تشكيله لغويًا، ولا ينقل التجربة كما حدثت، بل كما يمكن أن تُفهم. الكتابة الشعريّة التي تثير الأسئلة تنبع غالبًا من منطقة القلق لا الطمأنينة، وتميل إلى غموض منتج لا إلى إبهام فارغ، وتتعامل مع اللغة بوصفها كائنًا حيًا يقاوم الشاعر بقدر ما يطيعه. الشاعر بهذا المعنى لا يصوغ عبارات، بل يخلق احتمالات، ويزرع في نصّه بذور دلالات قد لا يكون هو نفسه واعيًا بها لحظة الكتابة، لأنّ النصّ بمجرّد أن يولد يغادر سلطة صاحبه ويدخل في أفق قرائيّ مفتوح.
التحوّل الأعمق في النظر إلى الشعر لم يحدث داخل النصّ وحده، بل في موقع القارئ أيضًا. فقد أعادت النظريات النقديّة الحديثة توزيع السلطة داخل العمليّة الإبداعيّة، ولم يعد المعنى ملكًا حصريًا للشاعر. منذ أطروحات بارت ( Roland Barthes) حول موت المؤلف، وصولًا إلى تصورات دريدا ( Jacques Derrida ) التفكيكيّة، لم يعد القارئ متلقيًا سلبيًا، لكته أصبح شريكًا فعليًا في إنتاج الدلالة. القراءة لم تعد استهلاكًا للنصّ، إنّما إعادة كتابته، لأنّ القارئ يعيد ترتيب العلامات ويملأ الفراغات ويكتشف العلاقات الخفيّة بين الصور والرموز. وكل قراءة حقيقيّة هي ولادة جديدة للنصّ، لا تكرارًا له.
بهذا المعنى لا تعني القراءة التفكيكيّة هدم النصّ أو التشكيك بقيمته، بل تعمل على تحريره من وهم المعنى الواحد. إنّها تفترض أنّ النصّ يحتوي على طبقات متعدّدة قد تتجاور أو تتصادم، وأنّ الدلالة ليست مركزًا ثابتًا، لكنه شبكة علاقات متحركة. القارئ الذي يقرأ بهذه الروح لا يسأل ماذا أراد الشاعر أن يقول، بل ماذا يقول النصّ رغمًا عنه، وما الذي يتسرب بين السطور، وما الذي يصمت عنه الخطاب. وهكذا تتحوّل القصيدة إلى فضاء احتماليّ، وليس رسالة مغلقة.
الشعر الوجوديّ لا يشترط أن يتناول موضوعات فلسفيّة صريحة، لكنّه يتعامل مع الوجود نفسه بوصفه لغزًا مفتوحًا. إنّه يضع الإنسان أمام أسئلته الكبرى: المعنى، الزمن، الفقد، الحريّة، الهُويّة. لذلك لا يعود الشعر اختيارًا لغويًا، بل يصبح شكلًا من أشكال التفكير. الفلسفة تفكر بالمفهوم، أمّا الشعر فيفكر بالصورة، والصورة لا تشرح، بل تلمح، لا تحسم، لكنها تقترح، ولا تنهي المعنى، إنما تؤجله. ومن هنا تنبع قوته، لأنّه يوقظ في القارئ قدرة التساؤل بدل أن يمنحه راحة اليقين.
إذا كان الشعر المرتبط بالمناسبة يعزّز اليقين الجمعيّ ويطمئن المتلقي، فإنّ الشعر المنفتح على أفق وجوديّ يوقظ القلق المعرفيّ ويحرّض الوعي الفرديّ. الأول يمنح إجابة، والثاني يمنح سؤالًا. الأول يرسخ المعنى، والثاني يحرّره. لذلك يمكن القول: إنّ مستقبل الشعر مرهون بقدرته على الانتقال من البلاغة إلى الرؤية، ومن الزخرفة إلى الكشف، ومن الصوت الواحد إلى تعدديّة الأصوات داخل النصّ. القصيدة العظيمة ليست التي تُفهم بسرعة، بل التي يصعب استنفادها، لأنّها تظل قابلة لإعادة الاكتشاف مع كلّ قراءة جديدة. وحين يكتب الشاعر نصًا يثير الشكّ، ويقرأه القارئ بوصفه شريكًا لا تابعًا، يولد الشعر في صورته الأعمق: نصٌّ لا يعيش في المناسبة أكثر مما يعيش في الوعي، ولا ينتهي عند الصفحة، بل يبدأ منها.
وهكذا، فإنّ الشعر الذي يكتفي بأن يكون صدىً لحدث عابر سرعان ما يخفت بانتهاء صداه، أمّا الشعر الذي يتحوّل إلى أفق سؤال فيظلّ حيًا لأنّه يتجدّد مع كلّ قراءة. إنّ العلاقة الحقيقيّة بين الشاعر والقارئ علاقة وعيين يلتقيان داخل النصّ ليصنعا معًا معنى لا يملكه أيٌّ منهما منفردًا. وحين يدرك الشاعر أنّ مهمته ليست طمأنة العالم، بل إيقاظه، ويدرك القارئ أنّ مهمته ليست الفهم السريع، بل المغامرة التأويليّة، تتحوّل القصيدة إلى مساحة حريّة فكريّة وجماليّة في آن واحد. عندها فقط يغدو الشعر ضرورة وجودية لا اختيارًا لغويًا، ويصبح السؤال الذي تطرحه القصيدة أهمّ من أيّ جواب يمكن أن تقدّمه، لأنّ السؤال هو الذي يبقي المعنى حيًا، ويبقي الإنسان يقظًا، ويبقي النصّ مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي.
الطيرة - 24.2.2026

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي