-النص القرآني بين القداسة والمنهج النقدي: الحداثة التفكيكية لمحمد أركون وإشكالية تجاوز المرجعية التقليدية-

ياسر جابر الجمَّال
2026 / 2 / 23

يقدّم محمد أركون في عدد من مؤلفاته، مثل الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، والفكر الإسلامي: قراءة علمية، وتاريخية الفكر العربي الإسلامي، مشروعًا نقديًا يقوم على إعادة قراءة التراث الإسلامي والنص القرآني في ضوء المناهج الحديثة في التاريخ واللسانيات والأنثروبولوجيا، ضمن ما يسميه «نقد العقل الإسلامي».
ينطلق أركون من رؤية تعتبر أن النص القرآني ينبغي أن يُدرَس ويُفسَّر بوصفه نصًا تاريخيًا يخضع لأدوات التحليل والتفكيك كبقية النصوص الدينية، بعيدًا عن الحصانة المنهجية التي أضفتها عليه العلوم التراثية. ويعبّر عن منهجه بوضوح فيقول: "استخدمتُ هنا مصطلح الظاهرة القرآنية، ولم أستخدم مصطلح القرآن عن قصد، لماذا؟ لأنَّ كلمة قرآن مُثقلة بالشحنات والمضامين اللاهوتية؛ وبالتالي فلا يمكن استخدامها كمصطلح فعَّال من أجل القيام بمراجعة نقدية جذرية لكل التراث الإسلامي، وإعادة تحديده، أو فهمه بطريقة مستقبلية استكشافية، فأنا هنا أتحدث عن الظاهرة القرآنية، كما يتحدث علماء البيولوجيا عن الظاهرة البيولوجية، أو الظاهرة التاريخية، وأهدُف من وراء ذلك إلى وضع كل التركيبات العقائدية والإسلامية، وكل التحديدات اللاهوتية والتشريعية، والأدبية والبلاغية والتفسيرية؛ إلخ - على مسافة نقدية كافية مني كباحث علمي".
كما ينقل في سياق حديثه عن المرجعية اللغوية للنص: "ويرى المستشرقون المتخصصون بفقه اللغة أنَّ كلمة (قرآن) ذات أصل سرياني أو عبري، وأيضًا هو نص أسطوريٌّ" .
وفي حديثه عن مفهوم المقدّس وتحولاته التاريخية يقول: "يمكنني أن أقول بأنَّ المقدس الذي نعيش عليه أو معه اليوم لا علاقة له بالمقدس الذي كان للعرب في الكعبة قبل الإسلام، ولا حتى بالمقدس الذي كان سائدًا أيام النبي".
ويتناول مسألة جمع القرآن في عهد الخليفة عثمان بن عفان، فيقول: "راح الخليفة الثالث عثمانُ يتخذ قرارًا نهائيًّا بتجميع مختلف الأجزاء المكتوبة سابقًا، والشهادات الشفهية التي أمكن التقاطها من أفواه الصحابة الأُوَل، أدى هذا التجميع عام 656 م إلى تشكيل نصٍّ متكامل، فُرض نهائيًّا بصفته المصحف الحقيقيَّ لكل كلام الله كما قد أُوحِيَ إلى محمدٍ، رفض الخلفاء اللاحقون كل الشهادات الأخرى التي ترى تأكيد نفسها ومصداقيتها؛ مِمَّا أدى إلى استحالة أيِّ تعديل ممكن للنص المشكَّل في ظل عثمان ".
وفي موضع آخر يضيف: "لننتقل الآن إلى ما يدعوه الناس عمومًا بالقرآن، إنَّ هذه الكلمة مشحونة إلى أقصى حدٍّ بالعمل اللاهوتي، والممارسة الطقسية الشعائرية الإسلامية المستمرة منذ مئات السنين، إلى درجة أنَّه يصعب استخدامها كما هي؛ فهي تحتاج إلى تفكيك سابق من أجل الكشف عن مستويات من المعنى والدلالة كانت طُمست وكُتبت ونُسيت من قِبل التراث التَقَوِيِّ الوَرِع... وهذه الحالة لا تزال مستمرة منذ زمن طويل؛ أي: منذ أن تم الانتقال من المرحلة الشفهية إلى المرحلة الكتابية، ونشر مخطوطة المصحف بنسَّاخة اليد أولًا، ثم طباعة الكتاب ثانية، وهذه العمليات حبَّذت صعود طبقة رجال الدين، وازدياد أهميتهم على مستوى السلطة الفكرية والسياسية، وهذه الحالة تتناقض مع الظروف الاجتماعية والثقافية الأولية لانبثاق وتوسُّع ما يدعوه الخطاب القرآني الأوَّلي بالقرآن، أو الكتاب السماوي، أو الكتاب بكل بساطة، وهو القرآن المتلوُّ بكلِّ دقَّةٍ وأمانة، وبصوت عالٍ أمام حفل أو مستمعين معيَّنين، لنُسَمِّ هذا القرآن إذًا (الخطاب النبوي) ".
وقد أثارت هذه الطروحات جدلًا واسعًا في الأوساط الفكرية؛ إذ يرى بعض الباحثين أنها تمثل محاولة لتطبيق مناهج العلوم الإنسانية الحديثة على النص الديني، بينما يعتبرها آخرون تجاوزًا للمرجعية العقدية والمنهجية التي استقرّت في التراث الإسلامي.
والحقيقة أن قراءة أركون للنص القرآني هي قراءة حداثية تنطلق من منظور يهدف إلى إقصاء التفسير الإسلامي المعتمد في الأمة ومحاولة هدم المرجعية العليا، وبذلك تهمل خصوصية النص الإسلامي ومنهجيته في التعامل والتلقي. فهي قراءة تضع النص ضمن أفق تاريخي نقدي، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز التوازن الذي حافظ عليه التراث الإسلامي بين القدسية والمرجعية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي